hamburger
userProfile
scrollTop

لماذا كانت بريطانيا الخاسر الأكبر اقتصاديا في حرب إيران؟

اقتصاد البريطاني أكثر تعرضا من غيره لصدمات الغاز (رويترز)
اقتصاد البريطاني أكثر تعرضا من غيره لصدمات الغاز (رويترز)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • حرب إيران ضربت نقاط الضعف البريطانية مباشرة.
  • الغاز كان بوابة الصدمة الأكبر على الاقتصاد.
  • التضخم كان مرتفعا قبل اندلاع الحرب أصلا.
  • بنك إنجلترا يملك هامشا أضيق للتحرك الآن.

تلقت بريطانيا واحدة من أقوى الضربات الاقتصادية بين الاقتصادات المتقدمة بعد حرب إيران، في وقت دخلت فيه الأزمة وهي تعاني أساسا من نمو ضعيف وتضخم مرتفع وهشاشة واضحة في ثقة المستثمرين.

وتكشف قراءة مترجمة عن "فايننشال تايمز"، أن الحرب لم تخلق أزمة جديدة فقط، بل فجرت أيضا نقاط ضعف قديمة جعلت الاقتصاد البريطاني أكثر انكشافا من غيره على صدمة الطاقة وتقلبات الأسواق.

وبحسب التحليل، فإن بريطانيا لم تتأثر فقط بارتفاع أسعار الطاقة أو بتقلب الأسواق، بل واجهت أيضا مزيجا معقدا من ضيق هامش التحرك لدى الحكومة وبنك إنجلترا، والاعتماد الكبير على الغاز المستورد، واستمرار القلق السياسي بشأن استقرار المسار المالي للحكومة ومستقبل القيادة السياسية.

اقتصاد هش قبل اندلاع الحرب

دخلت بريطانيا الأزمة في وضع اقتصادي أضعف من عدد من الاقتصادات النظيرة. فالنمو كان متباطئا بالفعل، والاستثمار الخاص ضعيفا، وسوق العمل بدأت تظهر إشارات تباطؤ، بينما ظل التضخم أعلى من المستويات المريحة حتى قبل أن ترتفع أسعار النفط والغاز بفعل الحرب.

وهذا يعني أن الصدمة لم تصب اقتصادا في حالة تعاف، بل أصابت اقتصادا كان يعاني أصلا من ضعف الزخم وتراجع الثقة، وهو ما يفسر لماذا بدا أثرها في بريطانيا أكثر حدة وأسرع انتقالا إلى الأسواق والأسر والشركات.

الغاز هو نقطة الضعف الأخطر

أحد الأسباب الرئيسية وراء شدة الضربة، هو الاعتماد الكبير لبريطانيا على الغاز في مزيج الطاقة.

فالاقتصاد البريطاني أكثر تعرضا من غيره لصدمات الغاز، لأن هذا الوقود لا يزال يشكل حصة مهمة من إنتاج الطاقة، كما أنه يحدد في كثير من الأحيان السعر الهامشي للكهرباء.

ولهذا، فإن أي ارتفاع قوي في أسعار الغاز لا ينعكس فقط على فواتير التدفئة والطاقة المنزلية، بل ينتقل أيضا إلى الكهرباء وكلفة تشغيل الأعمال، ما يجعل أثر الحرب واسعا ومباشرا على الاقتصاد كله.

أدت الحرب إلى رفع كلفة الطاقة على الشركات والأسر في وقت واحد. فالأعمال تواجه ارتفاعا في فواتير التشغيل وتكاليف الإنتاج، بينما تستعد الأسر لتحمل أعباء أكبر في فواتير الطاقة خلال الفترات المقبلة، وهو ما يضغط على الاستهلاك ويضعف الطلب المحلي.

كما ينعكس هذا الوضع على قرارات الاستثمار، لأن الشركات تصبح أكثر حذرا في التوسع عندما ترتفع كلفة الطاقة ويزداد الغموض بشأن النمو والطلب والتمويل.

المشكلة الأخرى أن بريطانيا لا تملك مساحة مريحة للتعامل مع صدمة تجمع بين التضخم والركود. فبنك إنجلترا يجد نفسه أمام تضخم مدفوع بالطاقة من جهة، واقتصاد ضعيف من جهة أخرى، ما يجعل خفض الفائدة لدعم النمو أقل سهولة مما كان متوقعا قبل الحرب.

وفي الوقت نفسه، لا تبدو الحكومة قادرة على تقديم دعم مالي واسع للأسر والشركات من دون زيادة الضغط على المالية العامة، خصوصا في ظل ارتفاع الاقتراض وقلق الأسواق من أي انحراف جديد في الانضباط المالي.

تقلبات السندات تضرب الاقتصاد الحقيقي

لم يقتصر تأثير الحرب على أسواق الطاقة فقط، بل امتد أيضا إلى سوق السندات الحكومية البريطانية. ومع ارتفاع العوائد وتقلبها، زادت كلفة الاقتراض على الدولة وعلى الأسر، وانتقل الأثر مباشرة إلى الرهون العقارية وسوق الإسكان.

وهذا النوع من الانتقال السريع من السوق المالية إلى الاقتصاد الحقيقي يجعل بريطانيا أكثر حساسية للصدمات، لأن كل اضطراب في السندات ينعكس بسرعة على ثقة المستهلك وعلى قرارات الشراء والاستثمار.

القلق السياسي يزيد كلفة الشك

يزداد الوضع تعقيدا بسبب البعد السياسي. فالمستثمرون لا ينظرون فقط إلى أرقام النمو والتضخم، بل أيضا إلى مدى ثقتهم في قدرة الحكومة على الحفاظ على مسار مالي منضبط. ومع ارتفاع الضغوط على الإنفاق الدفاعي والدعم الاجتماعي، عادت الشكوك إلى الواجهة بشأن مدى صلابة السياسة الاقتصادية البريطانية.

كما أن أي مخاوف من تراجع الاستقرار السياسي أو من تغير في القيادة أو الأولويات المالية تجعل استعادة الثقة أكثر صعوبة، وهو ما يضيف عبئا إضافيا على السندات والجنيه وتوقعات الاقتصاد ككل.

كانت هناك آمال قبل أسابيع في أن يشهد الاقتصاد البريطاني تحسنا تدريجيا خلال 2026، لكن الحرب دفعت هذا السيناريو إلى الخلف. فبدلا من عودة الزخم، وجدت بريطانيا نفسها أمام صدمة جديدة تؤجل التعافي وتزيد من صعوبة بناء الثقة لدى المستهلكين والأسواق.

ولهذا، فإن شدة تأثر بريطانيا بحرب إيران لا تعود فقط إلى الحدث نفسه، بل إلى أن الحرب جاءت لتضغط على اقتصاد مكشوف أصلا على الغاز، وضعيف النمو، ومقيد السياسات، وسريع التأثر بأي اهتزاز في ثقة المستثمرين.