تواصل عوائد السندات الحكومية ارتفاعها بصورة شبه يومية في الأسواق العالمية، وسط جدل متزايد بشأن أسباب موجة البيع الحالية والمسافة التي يمكن أن تقطعها تكلفة الاقتراض قبل أن تستقر.
ودفعت موجة بيع أدوات الدخل الثابت عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى منذ 2007، بينما توقع أكثر من نصف المشاركين البالغ عددهم 173 شخصًا في استطلاع أجرته بلومبرغ وصول عائد السندات الأميركية لأجل 30 عامًا إلى 6% بنهاية 2026.
عوائد السندات الحكومية عند مستويات تاريخية
سجلت تكاليف الاقتراض من اليابان إلى فرنسا مستويات جديدة، ما دفع عائد مؤشر بلومبرغ العالمي الإجمالي لسندات الخزانة إلى أعلى مستوى منذ عام 2000.
وخسرت السندات العالمية 2.7% منذ بداية العام، بينما حققت أسواق الأسهم مكاسب بلغت 13%، في ظل استمرار التضخم والمخاوف المالية ومرونة النمو الاقتصادي.
ويرى كبير الاقتصاديين في مجموعة أكسا جيل مويك أن تجاوز بعض المستويات المهمة لا يعني أن العوائد طويلة الأجل وصلت إلى نقطة قادرة على إعادة التوازن تلقائيًا.
1. قوة النمو الاقتصادي
يتجه المستثمرون عادة إلى السندات عندما تتدهور التوقعات الاقتصادية، لكن الاقتصاد الأميركي ما زال ينمو بقوة، بينما حافظ الاقتصاد العالمي على تماسكه رغم حرب إيران وارتفاع تكاليف الاقتراض.
وتشير مؤشرات نشاط الأعمال والتصنيع إلى أقوى معدلات نمو منذ سنوات في عدد من الاقتصادات الكبرى، ما يغذي التضخم ويرفع احتمالات زيادة أسعار الفائدة.
كما تمنح قوة النمو المستثمرين سببًا لتفضيل الأسهم على السندات، خصوصًا أن التضخم يقلل القيمة الحقيقية للفوائد ومدفوعات أصل الدين التي يحصل عليها المستثمر مستقبلًا.
وقال مدير محفظة أدوات الدخل الثابت في ولينغتون مانجمنت مارتن هارفي إن النمو ما زال قويًا، بل يزداد قوة بعد صدور مؤشرات مديري المشتريات الأخيرة، ما أضعف قدرة السندات على التحوط أمام تقلبات الأسهم.
2. ارتفاع أسعار السلع الأولية
تسببت الحرب الأميركية الإيرانية في أكبر صدمة لإمدادات النفط على الإطلاق، وفق توصيف مجموعة جولدمان ساكس.
وارتفعت أسعار خام برنت إلى 126.41 دولار للبرميل، بعدما أدى الصراع إلى تعطيل تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، ما رفع أسعار الغاز والديزل وأبقى ضغوط الأسعار العالمية عند مستويات مرتفعة.
وتزامن ذلك مع صعود أسعار الغذاء، مدفوعة جزئيًا بموجات الحر الأخيرة، ما زاد صعوبة احتواء التضخم ودعم توقعات استمرار الفائدة المرتفعة.
3. زيادات أسعار الفائدة
رفع مجلس الاحتياطي الاتحادي أسعار الفائدة في سبتمبر، فيما أشار صانعو السياسة إلى احتمال الحاجة إلى زيادات إضافية مع استمرار التضخم أعلى المستهدف البالغ 2%.
كما رفعت البنوك المركزية في أستراليا واليابان أسعار الفائدة للحد من التضخم، بينما يسعر المتعاملون زيادات محتملة في بريطانيا وكندا وأوروبا خلال الأشهر المقبلة.
وخلصت ورقة بحثية حديثة إلى أن نحو 90% من ارتفاع العوائد الاسمية على السندات لأجل 10 سنوات منذ أغسطس 2020 وقع بالتزامن مع تقارير الوظائف الأميركية وتصريحات مسؤولي مجلس الاحتياطي الاتحادي.
وتشير النتيجة إلى أن توقعات الأسواق لمسار الفائدة قصيرة الأجل أصبحت المحرك الرئيسي لعوائد السندات.
كما يؤدي ارتفاع تكاليف الاقتراض إلى تقليل إعادة تمويل قروض الإسكان، ما يطيل آجال سندات الرهن العقاري ويدفع بعض المستثمرين إلى بيع سندات الخزانة لموازنة مخاطر أسعار الفائدة.
4. اقتراض شركات الذكاء الاصطناعي
أطلق سباق بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي موجة اقتراض ضخمة، أضافت مزيدًا من الديون إلى الأسواق العالمية.
وباعت الشركات سندات بأكثر من 400 مليار دولار عالميًا خلال 2026 لتمويل استثمارات التكنولوجيا، مع تركز جزء كبير من الإصدارات في الولايات المتحدة.
وتجبر هذه الطفرة الحكومات والشركات التي تمول صفقات الاندماج والاستحواذ على المنافسة بصورة أشد على أموال المستثمرين.
ويرى رئيس أدوات الدخل الثابت العالمية في تي رو برايس عارف حسين أن طفرة المعروض ستدفع عوائد السندات الحكومية عالية الجودة، ومنها سندات الخزانة الأميركية، إلى مزيد من الارتفاع.
وتدير تي رو برايس أصولًا بقيمة 1.9 تريليون دولار، فيما يرى محللو باركليز أن الإنفاق على البنية التحتية للتكنولوجيا أسهم أيضًا في بقاء النمو الأميركي قويًا رغم ارتفاع تكاليف الاقتراض.
5. عجز الموازنات وتضخم الديون
تتصاعد المخاطر المالية مع استمرار عجز الموازنات وتردد الحكومات في اتخاذ إجراءات حقيقية لمعالجته، بينما تجاوز الدين الأميركي 40 تريليون دولار للمرة الأولى.
ومن المتوقع أن تقترض دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نحو 18 تريليون دولار إجمالًا خلال 2026، ما يغمر الأسواق بإصدارات جديدة ويدفع المستثمرين إلى طلب عوائد أعلى لشراء الديون.
وتدفع فرنسا تكاليف اقتراض أكبر، مع استعداد المستثمرين للانتخابات المقررة في العام المقبل واحتمال وصول حكومة شعبوية قد تزيد الإنفاق العام.
وقالت نائبة رئيس الاقتصاد العالمي في بي جي آي إم كريديت كاثرين نايس إن الارتفاع المتواصل في أسعار الفائدة طويلة الأجل يدفع عددًا من الاقتصادات المتقدمة نحو مسارات ديون غير مستدامة.
ويرى المدير الإداري لإستراتيجية الاقتصاد الكلي العالمية في تي إس لومبارد ستيفن بليتز أن غياب الإرادة السياسية لتحمل الركود يعني أن صعود العوائد قد لا يتوقف عند 6%، وقد يصل إلى 8% خلال السنوات المقبلة.
6. زيادة الإنفاق الدفاعي
بلغ الإنفاق العسكري العالمي مستوى قياسيًا، مدفوعًا بحرب إيران واستمرار الصراع في أوكرانيا واتجاهات إعادة التسلح داخل حلف شمال الأطلسي والشرق الأوسط وآسيا.
ووصلت ميزانية الدفاع الأميركية إلى تريليون دولار خلال السنة المالية 2026، متجاوزة هذا المستوى للمرة الأولى.
وتؤدي زيادة النفقات العسكرية إلى تعميق احتياجات الحكومات التمويلية، ما يحفز إصدار مزيد من السندات ويدفع العوائد إلى الارتفاع.
7. التأثير الياباني
تواجه اليابان مشكلة ضعف الين، ويرجح أن السلطات تبيع سندات أجنبية للمساعدة في دعم العملة المحلية.
وأظهرت بيانات احتياطيات وزارة المالية اليابانية تراجع حيازة طوكيو من الأوراق المالية الأجنبية بمقدار قياسي بلغ 87.8 مليار دولار في نهاية أغسطس مقارنة بالشهر السابق.
ويشير هذا الانخفاض إلى احتمال بيع اليابان سندات خزانة أميركية لدعم الين، فيما قد تؤدي تدخلات إضافية إلى زيادة الضغط على أسواق السندات العالمية.
ويرى رئيس يارديني ريسيرش وكبير إستراتيجيي الاستثمار فيها إد يارديني أن تفكيك صفقات فروق أسعار الفائدة الممولة بالين يسهم أيضًا في موجة بيع السندات.
وتعتمد هذه الصفقات على اقتراض الين منخفض التكلفة والاستثمار في أصول توفر عوائد أعلى، لكن ارتفاع الفائدة اليابانية يجبر المتعاملين على بيع سندات حكومية اشتروها حول العالم بأموال القروض اليابانية الرخيصة.
8. الحروب التجارية
تضيف الحرب التجارية التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب طبقة جديدة من مخاطر التضخم، لأن الرسوم الجمركية الأعلى تزيد تكلفة السلع المستوردة وتبقي الضغوط السعرية مرتفعة.
ويعزز ذلك توقعات استمرار أسعار الفائدة المرتفعة مدة أطول، ما يضع ضغوطًا صعودية إضافية على عوائد السندات.
كما تعكس النزاعات التجارية انقسامًا جيوسياسيًا أعمق وعدم استقرار في التوقعات العالمية، ما يدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى مقابل تحمل المخاطر المتزايدة.
9. تغير قاعدة مشتري السندات
تحولت قاعدة مشتري سندات الخزانة الأميركية تدريجيًا بعيدًا عن مجلس الاحتياطي الاتحادي والبنوك المركزية الأجنبية، لمصلحة المستثمرين من القطاع الخاص في الداخل والخارج، ومنهم صناديق التحوط.
وتقدر بلومبرغ إيكونوميكس أن حيازات مجلس الاحتياطي الاتحادي من سندات الخزانة كنسبة من الناتج المحلي الأميركي تراجعت بنحو 12 نقطة مئوية منذ 2020.
كما انخفضت حيازات المؤسسات الرسمية الأجنبية كنسبة من الناتج بنحو 8 نقاط مئوية خلال الفترة نفسها.
ويرى باحثون في بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك أن سوق السندات أصبحت أكثر حساسية للأسعار بمرور الوقت، ما يفسر جزءًا كبيرًا من التحركات التاريخية في العوائد.
10. انتهاء فائض المدخرات العالمي
انتهى فائض المدخرات العالمي الذي ساعد على خفض تكاليف الاقتراض لعقود، بالتزامن مع احتياج الحكومات والشركات إلى كميات هائلة من رؤوس الأموال.
وترى أكسفورد إيكونوميكس أن القوى التي صنعت فائض المدخرات منذ الأزمة المالية العالمية تراجعت أو أصبحت مقيدة بسياسات الحماية التجارية.
وتشمل هذه القوى التقشف المالي وخفض الديون في الولايات المتحدة وتوسع الصادرات الصينية.
ويجبر تراجع المدخرات بالتزامن مع تصاعد الاحتياجات التمويلية الحكومات والشركات على التنافس بقوة لجذب أموال المستثمرين، ما يدفع عوائد السندات وتكاليف الاقتراض إلى مستويات أعلى.

