يرى تقرير تحليلي نشرته مجلة "إيكونومست"، أن الحرب مع إيران كشفت سريعا كلفة الصراع على الاقتصاد العالمي، بعدما تسببت صدمة مضيق هرمز في تقلبات حادة بأسعار النفط، وأدخلت العالم في مرحلة جديدة من انعدام أمن الطاقة يصعب الرجوع عنها حتى لو توقفت العمليات العسكرية قريبا.
تقلبات النفط تكشف هشاشة السوق
وبحسب التقرير، هبط النفط من ذروة قاربت 120 دولارا للبرميل إلى نحو 80 دولارا ثم عاد ليرتفع إلى قرابة 100 دولار، في صورة تعكس اضطرابا يتجاوز التسعير التقليدي للمخاطر الجيوسياسية.
ويشير التقرير، إلى أن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز عطل نحو 15% من الإمدادات العالمية للنفط، وهو ما يفسر حساسية الأسعار لأي تلميح بامتداد الأزمة.
ويؤكد التحليل، أن وقف التصعيد لا يعيد السوق إلى ما كانت عليه. فحتى مع تراجع حدة القتال، لا يمكن استعادة بيئة الطاقة القديمة، لأن الخطر أصبح قابلا للتكرار مع كل توتر جيوسياسي.
وفي سيناريو إغلاق طويل للمضيق، قد يحتاج السوق إلى أسعار تتجاوز 150 دولارا للبرميل لخفض الطلب بما يتوافق مع المعروض.
مخزونات الطوارئ موجودة
تمتلك دول وكالة الطاقة الدولية مخزونات طوارئ بنحو 1.8 مليار برميل، وبدأت بالفعل سحب 400 مليون برميل. لكن التقرير يحذر من أن قدرة ضخ المخزون إلى السوق قد تختنق بقيود خطوط الأنابيب والبنية التحتية، ما يحد من سرعة التعويض.
كما يشير إلى أن بعض الدول قد تتجه إلى تقييد صادرات منتجات مكررة لحماية أسواقها المحلية، وهو ما يوسع أثر الصدمة عالميا.
لا تقتصر الأزمة على النفط، فقد أشار التحليل، إلى أن منشأة قطر الرئيسية لتصدير الغاز الطبيعي المسال ما زالت متوقفة بعد هجوم بطائرات مسيرة، ما يقتطع قرابة خُمس الإمدادات العالمية من السوق.
وتم تأجيل خطط توسعة الإنتاج، وهو ما يطيل أثر الصدمة على التوازنات العالمية.
وأدى غياب الغاز القطري إلى سباق شراء في آسيا، بينما تواجه أوروبا وضعا أكثر هشاشة مع انخفاض المخزون الموسمي عن المعتاد.
وذكر التحليل أن أسعار الغاز في أوروبا ارتفعت بأكثر من النصف، وفي الولايات المتحدة، قد ترتفع صادرات الغاز المسال نظريا، لكن الطلب المحلي ينمو بدوره مع توسع مراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
إيران تختبر معادلة الملاحة والطاقة
بحسب التقرير، طورت إيران أسلوبا يضغط على الاقتصاد العالمي عبر استهداف الملاحة والطاقة بتكلفة منخفضة، ما يجعل حماية الممرات البحرية تحديا مستمرا حتى مع التفوق العسكري الأميركي.
ويشير التقرير، إلى أن الولايات المتحدة لا تستطيع حماية كل ناقلة نفط، وأن توفير التأمين الرخيص لا يلغي خطر التعطل المتكرر.
ويرى أن علاوة المخاطر سترتفع على الأعمال والاستثمار مع تسعير الطاقة على أساس خطر دائم، كما أن عوائد السندات الحكومية ارتفعت منذ بداية الأزمة، خصوصا في جنوب أوروبا وبريطانيا التي تعتمد على واردات الغاز المسال.
ويضيف أن الشركات ستعود إلى فحص سلاسل الإمداد وتعرضها لمخاطر المنطقة، مع تراجع صورة الاستقرار وارتفاع كلفة التأمين والشحن.
ويشير التحليل، إلى أن التخزين أصبح جزءا من الحل، وأن عدم إعادة ملء الاحتياطيات النفطية بأسعار منخفضة قبل الحرب يرفع الكلفة الآن، كما أن الأسعار المرتفعة قد تشجع على زيادة المعروض من خارج الشرق الأوسط، لكن ذلك يحتاج وقتا.
وحتى يحدث، قد تزداد إغراءات الحمائية الطاقية عندما تبدأ دول منتجة ومكررة، بما فيها الصين والهند، تقييد الصادرات لحماية المستهلك المحلي، وهو ما يفاقم الضرر على دول أخرى.
تهديد تضخمي جديد للبنوك المركزية
ويخلص التقرير إلى أن البنوك المركزية، ستواجه موجة تضخم متجددة تزيد خطر الركود وخطر دوامة الأجور والأسعار.
ومع صعود كلفة الطاقة، قد تتجه الحكومات إلى دعم واسع للفواتير كما حدث بعد حرب أوكرانيا، وهو ما يرفع المديونية وينقل جزءا من الألم إلى الدول الأفقر، خصوصا في آسيا.
بحسب التحليل، حتى لو انتهت الحرب بسرعة، فقد أصبح واضحا أن الاقتصاد العالمي سيدخل مرحلة أقل رخاء وأكثر تقلبا وأصعب إدارة، لأن أسواق الطاقة لم تعد تعمل بمنطق الاستقرار، بل بمنطق اضطراب متكرر يرتبط بالممرات البحرية والبنية التحتية وموازين القوة في المنطقة.