تمر مصر خلال الفترة الأخيرة بأزمة اقتصادية حادة، خصوصا فيما يتعلق بتوفير العملة الصعبة، والتي ألقت بظلالها على مختلف المؤسسات.
ومع الأزمة الحادة والمتفاقمة في عدم توافر سيولة نقد أجنبي داخل المصارف المصرية، وخصوصا البنك المركزي، يسمع المصريون من آنٍ لأخر، عن إطلاق مبادرات للعمل على حلحلة هذه الأزمة.
آخر هذه المبادرات كان مقترحا أعلن عنه عضو مجلس النواب المصري أحمد عاشور، والذي طالب بأن يتم إلزام المصريين العاملين بالخارج، بتحويل 50% من قيمة رواتبهم عبر البنوك والطرق الشرعية، إلى داخل البلاد، مقترحا أن يحصل مكتب العمل في مصر على نسخة ضوئية من عقود العمل بين العامل المصري وجهة العمل الخارجية، حتى يتسنّى لنا معرفة دخولهم.
منصة "المشهد" تواصلت مع النائب أحمد عاشور، لمعرفة أسباب وتفاصيل مقترحه الذي أثار جدلا واسعا داخل مصر وخارجها، حيث أوضح أنّ تحويلات المصريين العاملين بالخارج، تعدّ مصدرا رئيسا لإدخال العملة الصعبة بجانب السياحة، وتبلغ سنويا "40 مليار" دولار، وهذا الرقم يعمل على توفير العملة الصعبة، ومن ثم يساعد على استيراد السلع الاستراتيجية التي تحتاجها الدولة، لكن في الآونة الأخيرة بدأ هذا الرقم ينخفض بشكل ملموس، نتيجة اتجاه أموال العاملين بالخارج إلى "مافيا" السوق السوداء لتجارة العملة، وإلى بعض التنظيمات الإخوانية، وذلك لوجود فارق كبير بين سعر تحويل الدولار داخل البنوك وفي السوق السوداء، وبالتالي انخفضت العملة الصعبة داخل البنوك والمصارف الرسمية، ومن ثم سيصبح هناك مشكلات اقتصادية عديدة داخل الدولة.
ووفقا لبيان أصدره البنك المركزي المصري عن ميزان المدفوعات الصادر في مايو الماضي، انخفضت تحويلات المصريين بالخارج خلال النصف الأول من العام المالي 2022-2023 إلى 12 مليار دولار، مقابل 15.6 مليار دولار في الفترة المماثلة من العام المالي الماضي.
وتُمثّل تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال العقود الماضية، أبرز مصادر تدفّق العملات الأجنبية لمصر، كما تُمثّل 7% من إجمالي الناتج المحلي.
وأوضح النائب أحمد عاشور، أنّ ما قاله مجرد مقترح ضمن مئات المقترحات التي تُطرح من وقت لآخر، وقد يؤخذ به وقد لا يؤخذ به، مشيرا إلى أنه فكر في هذا المقترح بدافع وطني خائف على المستقبل الاقتصادي للدولة، الذي بات يواجه تحديات عديدة.
ويري النائب أحمد عاشور، أنّ الهدف من هذا المقترح، هو زيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى البلاد، من أجل توفير العملة الصعبة، مؤكدا أنّ التحويلات انخفضت بنسبة كبيرة خلال الفترة الماضية، ووصلت إلى "28%"، ولا بدّ من وجود قانون أو حتى محفزات، من أجل ضم الاقتصاد غير الرسمي إلى الاقتصاد المحلي، لتسديد الديون المتراكمة خلال الأعوام السابقة.
واشترط البرلماني أن يقوم العامل بالخارج -أثناء تقدُّمه للحصول على إذن عمل سنوي من مصر- بتقديم ما يُثبت تحويله نصف راتبه إلى داخل البلاد عبر الطرق الشرعية، وذلك حتى يتمكن من الحصول على إذن العمل.
سخرية وتهكّم على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر
اقتراح النائب البرلماني لم يمر مرور الكرام على رواد مواقع التواصل الاجتماعي داخل مصر، إذ سريعا ما انتشرت ردود الأفعال العديدة التي عبّرت عن سخريتها واستهجانها من هذا الاقتراح، فكتب محمد حسين القصاص، "جباية النائب الفاشل أحمد عاشور يريد ٥٠٪ من راتب العاملين في الخارج، يمنعني الحياء ماذا عليّ أن أقول لك".
بينما قال إجلال رمضان، "في اقتراح أفضل 50% من أجر الحكومة كلها والرئيس والبرلمان، وكبار الموظفين والمستشارين، إلى تقريبا المنصب ده لإعانتهم على حياة فارهه كده أقرب وأفضل".
كيف رد المصريون في الخارج على المقترح؟
ولمعرفة ردود أفعال المصريين العاملين بالخارج حول مقترح تحويل نصف رواتبهم لحكومة بلادهم، تواصلت منصة "المشهد"، مع عدد منهم في دول مختلفة، حيث يقول محمود عامر صاحب الثلاثين عاما ويعمل صيدلانيًا بالمملكة العربية السعودية، إنّ هذا القرار يمثل "إجحافا كبيرا لنا"، ويجب على المسؤولين في الدولة أن يفكروا في إيجاد حلول لمشكلاتنا التي نواجهها في الغربة بشكل يومي، بدلا من تفكيرهم في كيفية الحصول على أموالنا، فنحن نمثّل عاملا قويا من مصادر العملة الصعبة.
وأكد محمود عامر، أنّ هناك ارتفاعا كبيرا في خدمات السفارة كافة، وباتت أسعار هذه الخدمات تشهد ارتفاعات بشكل مستمر، غير أنّ تقديم تلك الخدمات لنا ليس بالأمر المطلوب كما هو متّبع في مختلف سفارات وقنصليات الدول الأخرى، مطالبا في الوقت ذاته وزارة الخارجية، بضرورة النظر في رسوم تجديد الإجازات، لأنها أصبحت عبئًا كبيرا هي الأخرى.
أما محمود فوزي الذي يعمل مترجما بدولة الإمارات العربية المتحدة، فيؤكد أنه عندما سمع بهذا المقترح أصابته صدمة كبيرة، قائلًا: "كيف لعضو في البرلمان يفكر بهذه الطريقة، فالمفترض أن يكون دوره مساندا للمواطن، وأن يقدم حلولا لتخفيف الأعباء عن كاهله، وليس لزيادتها".
وأوضح محمود فوزي أنّ المصريين في الخارج، حالهم كحال المصريين في الداخل، يواجهون الكثير من التحديات المعيشية والاجتماعية، ولديهم العديد من الالتزامات الثقيلة، وفي بعض الأحيان يلجأ المغترب إلى العمل في أكثر من مكان، لكي يستطيع سدّ احتياجاته والالتزامات المفروضة عليه، خصوصا إن كان متزوجا ويعول أولادا.
ويؤكد محمود فوزي أنّ العاملين في الخارج، يساعدون بالفعل مصر، حيث يقومون بتحويلاتهم كافة، إلى البنوك المصرية، وهذه التحويلات تساعد وبشكل كبير على توفير النقد الأجنبي للدولة، متسائلا: "ماذا علينا أن نقدّم أكثر من ذلك، وطالب محمود فوزي المسؤولين داخل البلاد في أن يفكروا في حلول غير تقليدية ومبتكرة لحل أزمة نقص العملة، بعيدًا عن "جيوب" المغتربين.
ماذا قال خبراء الاقتصاد عن هذا المقترح؟
الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء والتشريع، الدكتور وليد جاب الله، وصف إلزام تحويل نصف راتب المصريين بالخارج في المصارف المصرية "بالفاشل وغير المدروس"، مؤكدا أنّ النائب الذي تقدّم بهذا المقترح لا يعلم أبعاد مقترحه جيدا، ولن يلقى أيّ صدى من الدوائر الرسمية في مصر.
تعارض مع آليات الحرية الاقتصادية
وكشف الخبير الاقتصادي أنه لا يوجد في الدستور المصري ما يستند إليه هذا المقترح، فضلا عن أنه يتعارض مع آليات الحرية الاقتصادية، التي هي أساس الاقتصاد الحر الذي تتحول إليه مصر حاليا، من خلال برنامج الاصلاح الهيكلي، كما أنّ هذا المقترح بشكله الذي تم الاعلان عنه، مضر بالاقتصاد المصري أكثر منه فائدة، لأنه يخلق حالة من التشكيكات ويثير اللبس، كما أنه يؤدي إلى مزيد من الجدل وعدم الاستقرار حول الثوابت التي تتمسك بها الدولة المصرية، عند تطبيقها للنظام الاقتصادي.
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تصدر فيها تصريحات من برلماني مصري في ما يخص أموال العاملين بالخارج، فقد طالب قبل ذلك وكيل مجلس الشيوخ بهاء الدين أبو شقة، باستقطاع نسبة من تحويلات وعائدات المصريين بالخارج لصالح الدولة، كردّ الجميل لبلدهم، وللوقوف بجانبها في محنتها الاقتصادية، كما اقترح عضو مجلس النواب مجدي الوليلي جمع 25 مليار دولار من المصريين بالخارج، لتجنيب بلاده اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، وذلك من خلال إسهام 10% منهم بـ25 ألف دولار يقومون بإيداعها، أو التنازل عن مبلغ دولاري بالسعر الرسمي للبنك، لكنّ هذين المقترحين قوبلا برفض واستهجان شديدين آنذاك، داخل مصر وخارجها.


