ألحقت الحرب والعقوبات والحصار البحري خسائر هائلة بالاقتصاد الإيراني، لكنها لم تنجح حتى الآن في إجبار طهران على تقديم تنازلات جوهرية بشأن برنامجها النووي أو التخلي عن أوراق الضغط الإقليمية التي تمتلكها.
ويجادل مقال رأي تحليلي للكاتبة أنشال فوهرا في مجلة فورين بوليسي، بأن الضغط الاقتصادي نجح في استنزاف إيران، لكنه لم يحقق أهدافًا استراتيجية واضحة، بينما يتحمل المواطنون الكلفة الأكبر من التضخم وانهيار العملة وفقدان الوظائف.
خسائر اقتصادية بمئات المليارات
تختلف التقديرات، بشأن الحجم الفعلي للأضرار التي لحقت بالاقتصاد الإيراني منذ بدء الحرب، لكنها تتفق على أن الخسائر ضخمة.
وقدرت الحكومة الإيرانية، الخسائر المباشرة وغير المباشرة بنحو 270 مليار دولار، بينما وضعت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات تقديرًا مركزيًا عند 144 مليار دولار.
وتشير المؤسسة، إلى أن الخسائر المحتملة قد تتراوح بين 50 و300 مليار دولار، نتيجة صعوبة حصر الأضرار العسكرية والصناعية والتجارية بصورة دقيقة.
فاقمت الحرب أزمة اقتصادية كانت تعاني منها إيران بالفعل، نتيجة سنوات من العقوبات وسوء الإدارة وضعف الاستثمار.
وهبط الريال إلى مستوى قياسي قرب 1.9 مليون ريال مقابل الدولار، بينما تجاوز معدل التضخم السنوي 88% خلال يونيو.
وأدى ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والخدمات إلى تآكل القوة الشرائية للأسر، في وقت تضررت فيه المصانع والأعمال التجارية وسلاسل التوريد.
ملايين الوظائف في دائرة الخطر
قال مسؤولون إيرانيون، إن الحرب تسببت في فقدان أكثر من مليون وظيفة، نتيجة توقف المصانع وتضرر المنشآت الصناعية وانكماش النشاط الاقتصادي.
وحذرت تقديرات أخرى، من أن عدد الوظائف المعرضة للخطر قد يتراوح بين 10 و12 مليون وظيفة، بما يعادل نحو نصف القوة العاملة الإيرانية.
كما أدى قطع الإنترنت والقيود على الأنشطة المالية والتجارية، إلى تضرر العاملين المستقلين والشركات الصغيرة والاقتصاد الرقمي.
استهدفت الحرب منشآت نفطية وبتروكيماوية رئيسية، من بينها مراكز إنتاج في ماهشهر وعسلوية، ما ألحق أضرارًا بجزء مهم من القاعدة الصناعية الإيرانية.
وتشير تقديرات، إلى أن نحو خُمس المنشآت الصناعية تعرض لأضرار، وأن إعادة بناء بعض مراكز البتروكيماويات قد تستغرق أكثر من عقد في ظل العقوبات.
كما قلص الحصار قدرة إيران على تصدير النفط، والحصول على العملات الأجنبية اللازمة لتمويل الواردات ودعم العملة المحلية.
الضغط لم يحقق تنازلات سياسية
رغم حجم الخسائر، لم تتخل إيران عن موقفها في الملف النووي، ولم تفقد قدرتها على التأثير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
كما واصلت دعم جماعات حليفة في المنطقة، من بينها حزب الله والحوثيون، واستخدمت هذه الشبكات لزيادة الضغط على المصالح الأميركية وحلفائها.
وبذلك نجح الضغط في إضعاف الاقتصاد، لكنه لم يتحول إلى مكاسب سياسية أو أمنية نهائية لواشنطن وتل أبيب.
تسعى إسرائيل إلى إضعاف النظام الإيراني إلى درجة تسمح بإسقاطه، وفق تصريحات لمسؤولين إسرائيليين تناولها المقال.
أما إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فأعادت صياغة أهدافها لتتركز على منع إيران من امتلاك سلاح نووي وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز.
ويجعل اختلاف الأهداف من الصعب تحديد معيار واضح لنجاح الحرب الاقتصادية أو توقيت إنهائها.
الحرب قد تقوي المتشددين
يفترض مؤيدو سياسة الضغط، أن تدهور مستويات المعيشة قد يدفع الإيرانيين إلى الاحتجاج ضد الحكومة أو إجبارها على تغيير سياساتها.
لكن الحرب قد تحقق نتيجة عكسية، إذ تجعل الاحتجاج أكثر صعوبة وتسمح للمتشددين بتبرير القمع واستمرار التعبئة العسكرية.
كما أن استهداف منشآت مدنية وتعليمية، قد يدفع حتى معارضي الحكومة إلى رفض التدخل الخارجي والالتفاف حول الدولة في مواجهة الهجمات.
لا تزال إيران قادرة على زيادة كلفة الحرب على خصومها، من خلال استهداف السفن والقواعد العسكرية وتهديد حركة الملاحة في هرمز.
كما تستطيع الاستعانة بالحوثيين، للضغط على حركة التجارة والطاقة عبر باب المندب والبحر الأحمر.
وقد يؤدي توسيع الهجمات، إلى رفع أسعار النفط وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، بما ينقل الأضرار الاقتصادية من إيران إلى الاقتصاد العالمي.
سنوات من الخبرة في تجاوز العقوبات
طورت إيران خلال سنوات العقوبات، شبكة واسعة من السفن والوسطاء وأساليب نقل النفط بين الناقلات للالتفاف على القيود الغربية.
ولا تضمن هذه الأدوات استمرار الصادرات بالمستويات السابقة، لكنها تساعد النظام على الاحتفاظ بحد أدنى من الإيرادات والقدرة على الصمود.
كما اكتسب المجتمع الإيراني، قدرة مرتفعة على التأقلم مع التضخم ونقص السلع والأزمات المتكررة، ما يقلل فرص حدوث انهيار سياسي سريع.
لم تقدم الولايات المتحدة أو إسرائيل، تصورًا واضحًا لما سيحدث إذا انهار الاقتصاد الإيراني بالكامل أو ضعفت مؤسسات الدولة بدرجة حادة.
كما لا توجد معارضة منظمة، قادرة بصورة مؤكدة على تحويل الغضب الشعبي إلى تغيير سياسي مستدام.





