تواجه أسواق الغذاء العالمية خطر موجة اضطراب جديدة، بعدما أدت الهجمات الروسية على السفن التجارية ومرافق الموانئ في أوديسا، إلى شبه توقّف للصادرات الأوكرانية عبر البحر الأسود، بالتزامن مع ذروة موسم حصاد القمح واقتراب حصاد الذرة.
وحولت الهجمات المتصاعدة السفن البطيئة المحملة بالحبوب إلى أهداف سهلة للمسيّرات والصواريخ، ما دفع شركات الشحن إلى تجنب الموانئ الأوكرانية وترك ملايين الأطنان من المحاصيل عالقة داخل الصوامع والمزارع.
روسيا تصطاد سفن الحبوب قرب أوديسا
رصد تقرير ميداني لصحيفة نيويورك تايمز، استهداف سفينة تجارية قبالة أوديسا بمسيّرة، ضمن حملة متصاعدة أدت إلى توقّف شبه كامل لحركة الشحن من الميناء، الذي يمثل أهم صلة بين الاقتصاد الأوكراني والأسواق العالمية.
وقال مسؤولون أوكرانيون، إنّ القوات الروسية استهدفت عشرات السفن التجارية خلال يونيو ويوليو، بالتوازي مع ضربات مكثفة طالت الأرصفة وصوامع الحبوب ومنشآت التخزين والبنية التحتية للموانئ.
وتقول موسكو، إنّ هجماتها تستهدف منشآت لوجستية وسفنًا مرتبطة بالأنشطة العسكرية ونقل الأسلحة، بينما تتهمها كييف بشن حملة منظمة لإغلاق الممر الرئيسي لصادرات الحبوب الأوكرانية.
أظهرت أحدث البيانات، انخفاض صادرات الحبوب الأوكرانية 75% على أساس سنوي خلال أول أسبوعين من أغسطس، بعدما أدت المخاطر الأمنية إلى إحجام ملاك السفن عن التوجه إلى موانئ البحر الأسود.
وتعبر نحو 90% من صادرات أوكرانيا من القمح والذرة وبذور دوار الشمس عبر البحر الأسود، ما يجعل توقّف الموانئ ضربة مباشرة لقطاع الزراعة ولتدفقات النقد الأجنبي إلى الاقتصاد الذي أنهكته الحرب.
وكانت أوكرانيا، تشحن ما يتراوح بين 4 و5 ملايين طن من المنتجات الزراعية شهريًا، عبر البحر الأسود قبل الحصار الأخير، في حين تشكل الزراعة قرابة 60% من إيرادات البلاد التصديرية.
خفض توقعات التصدير إلى 40 مليون طن
خفضت وزارة الزراعة الأوكرانية، توقعاتها لصادرات الحبوب خلال موسم 2026 و2027 إلى ما يتراوح بين 38 و40 مليون طن، بدلًا من تقديرات سابقة بلغت 43 مليون طن، بما يمثل تراجعًا يصل إلى 12%.
وتتوقع شركة الاستشارات الزراعية إيه.بي.كيه إنفورم، تصدير نحو 39.4 مليون طن، تشمل 13.5 مليون طن من القمح و24 مليون طن من الذرة و1.5 مليون طن من الشعير.
ويأتي خفض التوقعات رغم ترجيح وصول محصول الحبوب الأوكراني إلى نحو 60 مليون طن هذا العام، وهو مستوى يقترب من إنتاج 2025، ما يعني أنّ الأزمة ترتبط بالقدرة على نقل المحصول وتصديره أكثر من ارتباطها بحجم الإنتاج.
وحذرت الحكومة الأوكرانية من أنّ أكثر من 30 مليون طن من الحبوب والبذور الزيتية، قد تفشل في الوصول إلى الأسواق العالمية إذا استمر تعطل موانئ أوديسا.
وقد تواجه البلاد عجزًا في مساحات التخزين يصل إلى 11 مليون طن، خصوصًا مع امتلاء الصوامع بمحصول القمح الحالي واقتراب بدء حصاد الذرة خلال سبتمبر.
ويمكن تخزين الحبوب لسنوات إذا جرى تجفيفها وحفظها بصورة سليمة، لكنّ نقص الصوامع والسيولة قد يجبر المزارعين على بيع المحاصيل بأسعار منخفضة أو تركها عرضة للتلف.
أسعار عالمية مرتفعة ومحاصيل رخيصة داخل أوكرانيا
أدى تعطل الصادرات إلى مفارقة حادة في سوق الحبوب، إذ ارتفعت الأسعار العالمية بسبب المخاوف من نقص المعروض، بينما تراجعت أسعار المحاصيل داخل أوكرانيا مع تكدس الإنتاج وغياب المشترين.
وبلغت العقود القياسية للحبوب في شيكاغو، أعلى مستوياتها في أكثر من عام خلال يوليو، في حين هبطت أسعار الحبوب والبذور الزيتية لدى المنتجين الأوكرانيين بنحو 30% في المتوسط.
وأصبح تصدير القمح، النشاط الوحيد القادر على تحقيق أرباح لبعض المزارعين، بينما لا تكفي أسعار الذرة ومحاصيل أخرى لتغطية تكاليف الإنتاج والنقل.
حذر المجلس الزراعي الأوكراني من موجة محتملة من الإفلاسات، بعدما تعطلت التدفقات النقدية التي يعتمد عليها المزارعون، لسداد القروض والأجور وشراء الوقود والأسمدة وتمويل موسم الزراعة المقبل.
وقد تصل خسائر القطاع الزراعي الناتجة عن تعطل الموانئ وارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية، إلى 3 مليارات دولار، بينما يتوقع البنك المركزي الأوكراني خسارة نحو 2.5 مليار دولار من إيرادات النقد الأجنبي خلال الفترة المتبقية من العام.
وتضاف هذه الخسائر إلى أضرار تجاوزت 90 مليار دولار لحقت بالقطاع الزراعي منذ عام 2022، في وقت تقلصت فيه مساحة الأراضي المزروعة بنحو الربع بسبب القتال والألغام والقصف ونقص خدمات الري.
المسارات البديلة لا تكفي
تسعى أوكرانيا إلى تحويل جانب من شحناتها عبر السكك الحديدية والطرق البرية ونهر الدانوب، إلا أنّ هذه المسارات لن تتمكن من تعويض الطاقة التصديرية لموانئ البحر الأسود.
وتقدر الحكومة، أنّ المسارات البديلة تستطيع استيعاب ما بين 50% و55% فقط من الطاقة الشهرية للموانئ، البالغة نحو 6 ملايين طن، كما تضيف تكلفة تتراوح بين 45 و50 دولارًا لكل طن.
وتواجه هذه البدائل عقبات أخرى تشمل انخفاض مناسيب مياه الدانوب، وتشديد نظام التجارة مع الاتحاد الأوروبي، واعتراض بعض المزارعين في الدول المجاورة على تدفق المحاصيل الأوكرانية الرخيصة، فضلًا عن الهجمات الروسية على خطوط السكك الحديدية.
استهداف غولدن ليو يرعب شركات الشحن
كان استهداف سفينة غولدن ليو، التي ترفع علم غينيا بيساو وتحمل شحنة من الذرة، من أكثر الحوادث دموية في موجة الهجمات الأخيرة.
وقالت السلطات الأوكرانية إنّ 3 صواريخ أصابت السفينة بعد مغادرتها ميناء قرب أوديسا، ما أدى إلى مقتل 9 من أفراد الطاقم ومرشد بحري أوكراني، بينما جرى إنقاذ 8 أشخاص.
واشتعلت النيران في السفينة قبل أن تغرق بعد أسبوع، وهو ما عزز مخاوف ملاك السفن وشركات التأمين من إرسال ناقلات جديدة إلى الموانئ الأوكرانية.
لا تقتصر حرب السفن على الجانب الروسي، إذ كثفت أوكرانيا هجماتها على ناقلات النفط وسفن الشحن المرتبطة بروسيا في البحر الأسود وبحر آزوف، بهدف تعطيل صادرات الطاقة والضغط على الإيرادات التي تمول الحرب.
كما استهدفت كييف ميناء نوفوروسيسك الروسي، وهو مركز رئيسي لتصدير الحبوب والنفط، ما أدى إلى توقف مؤقت لعمليات إحدى محطات الحبوب وأثار مخاوف إضافية بشأن الإمدادات العالمية.
وتحذر موسكو، من أنّ استهداف منشآتها الزراعية يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء ونقص الحبوب، بينما تقول أوكرانيا إنّ السفن الروسية المستهدفة تُستخدم في الالتفاف على العقوبات وتمويل العمليات العسكرية.
شبح أزمة الغذاء في 2022 يعود
تعيد التطورات الحالية، إلى الأذهان الأشهر الأولى من الحرب عام 2022، عندما أدى حصار الموانئ الأوكرانية إلى قفزة في أسعار الغذاء العالمية وزيادة مخاطر انعدام الأمن الغذائي في الدول المستوردة.
وسمحت مبادرة حبوب البحر الأسود، التي توسطت فيها الأمم المتحدة وتركيا في يوليو 2022، باستئناف الصادرات، قبل أن تنهار الاتفاقية بعد عام وتطلق أوكرانيا ممرها الملاحي الخاص بمحاذاة سواحل رومانيا وبلغاريا.
وتوفر أوكرانيا نحو 6% من صادرات القمح العالمية و11% من صادرات الذرة، ما يجعل تعطل شحناتها خطرًا مباشرًا على الدول المعتمدة على الاستيراد، خصوصًا في إفريقيا والشرق الأوسط.
ومع تزامن حصار موانئ أوكرانيا مع اضطرابات التجارة عبر البحر الأحمر ومضيق هرمز وموجات الطقس القاسي، تتزايد احتمالات ارتفاع تكاليف الشحن والحبوب والغذاء خلال الأشهر المقبلة.

