تحولت "ستاربيس"، مقر شركة "سبيس إكس" التابعة لإيلون ماسك على ساحل تكساس، من منطقة شاطئية هادئة قرب الحدود المكسيكية إلى مدينة جديدة تحمل ملامح الطموح الفضائي الأميركي، وتكشف في الوقت نفسه توترات اجتماعية وبيئية وسياسية متزايدة.
وبحسب تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز"، لم تعد المنطقة مجرد موقع لإطلاق الصواريخ، بل أصبحت رمزًا لأميركا في عهد الرئيس دونالد ترامب، حيث تلتقي قوة التكنولوجيا الكبرى مع مشروعات الطاقة الضخمة وتشديد الرقابة على الحدود.
ستاربيس.. مدينة الصواريخ التي صنعها إيلون ماسك
قبل 15 عامًا، كانت منطقة بوكا تشيكا شاطئًا مفتوحًا يرتاده السكان المحليون للتنزه وقيادة السيارات فوق الكثبان الرملية.
لكن الموقع تحول تدريجيًا إلى قاعدة رئيسية لبرنامج "ستارشيب"، بعدما وجدت "سبيس إكس" فيه موقعًا مثاليًا لإطلاق الصواريخ في ولاية داعمة للأعمال.
وسرع إعلان ماسك في عام 2021 دعوة المؤيدين إلى الانتقال إلى "ستاربيس" من تحول المنطقة إلى مدينة مرتبطة بالشركة، قبل أن يتم دمجها رسميًا العام الماضي بعدد سكان يبلغ نحو 500 شخص، يعمل معظمهم في "سبيس إكس".
طريق إلى المريخ على حدود المكسيك
تدور الحياة في "ستاربيس" حول الصواريخ، إذ يتجمع متابعون ومهندسون وطلاب لمشاهدة نماذج "ستارشيب" وهي تتحرك بين المصنع وموقع الاختبار.
ويصف بعض الزوار الطريق الواصل إلى موقع الاختبار بأنه "طريق إلى المريخ"، في إشارة إلى الطموح الذي يربط مشروع ماسك بالسفر بين الكواكب.
لكن المشهد لا ينفصل عن الحدود القريبة مع المكسيك، حيث تنتشر مركبات دوريات الحدود ونقاط التفتيش، في منطقة باتت أكثر عسكرة ورقابة.
يرى التقرير، أن "ستاربيس" أصبحت رمزًا مكثفًا لأولويات الولاية الثانية لترامب، حيث تتجاور قوة التكنولوجيا الكبرى مع الطموح الجيوسياسي وسياسات الحدود الصارمة.
فبينما تنمو مدينة "سبيس إكس" بسرعة، يجري تنفيذ واحد من أكبر مشروعات تصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم بالقرب منها.
وتراقب شركات دفاع وتكنولوجيا أخرى المنطقة، مع خطط لمشروعات كبرى تشمل بناء أحواض سفن ومراكز بيانات.
ثروة جديدة حول سبيس إكس
أدى الظهور القوي لـ"سبيس إكس" في وول ستريت، إلى دفع الشركة إلى قائمة أكبر الشركات قيمة في العالم، ما جعل عددًا من موظفيها أثرياء على الورق.
لكن العاملين في المدينة يتجنبون الحديث عن ثرواتهم أو عن الشركة، في ظل قيود عدم الإفصاح التي تحكم تعاملهم مع وسائل الإعلام.
كما أن الوصول إلى المنطقة السكنية في "ستاربيس" محدود، رغم أن بعض منشآت الموظفين تبدو واضحة من الطريق.
تبدو "ستاربيس" اليوم كورشة بناء مستمرة، حيث تتدفق الشاحنات وسيارات "تيسلا سايبرترك" عبر الطرق التي يجري توسيعها.
وتعمل "سبيس إكس" على منشأة ضخمة لتصنيع الصواريخ على خط تجميع، بينما ترتفع أبراج الإطلاق التي يبلغ طولها نحو 400 قدم في الأفق.
وعلى مقربة من الموقع، يجري بناء مشروع "ريو غراندي" للغاز الطبيعي المسال، بطاقة إنتاجية تصل إلى 30 مليون طن سنويًا، بما يتماشى مع توجه أميركي أوسع لتعزيز صادرات الطاقة.
استفاد بعض أصحاب الأعمال في براونزفيل والمناطق القريبة من توسع "سبيس إكس"، خصوصًا في العقارات والمطاعم والأنشطة المرتبطة بمتابعة إطلاق الصواريخ.
لكن العلاقة بين العاملين الجدد والسكان المحليين لم تكن سهلة دائمًا، إذ يرى بعض الأهالي أن الوافدين الجدد غيروا طبيعة المنطقة، ورفعوا تكاليف المعيشة، وخلقوا مسافة اجتماعية واضحة مع المجتمع المحلي.
وتعد براونزفيل مدينة ذات أغلبية من أصول لاتينية، وقد شهدت توترات إضافية بعد حملات إنفاذ قوانين الهجرة التي نفذتها السلطات الأميركية.
الغضب البيئي يلاحق التوسع
يثير توسع "سبيس إكس" مخاوف بيئية متزايدة، خصوصًا حول تأثير المشروعات الجديدة في موائل الحياة البرية وشاطئ بوكا تشيكا.
وتقول ناشطة بيئية محلية إن المنطقة باتت أقل ترحيبًا بالسكان المحليين، وأكثر ارتباطًا بالمراقبة والوجود الأمني، مع شعور بأن الشاطئ يتحول إلى مساحة خاصة بالشركة.
وخسرت جماعات بيئية مؤخرًا قضية أمام المحكمة العليا في تكساس كانت تستهدف الحفاظ على حق الوصول العام إلى شاطئ بوكا تشيكا خلال عمليات إطلاق الصواريخ.
رغم الانتقادات، يواصل مؤيدو "سبيس إكس" الدفاع عن المشروع باعتباره أحد أكثر التحولات التكنولوجية إثارة في الولايات المتحدة.
ويرى هؤلاء أن المنطقة باتت بوابة مباشرة لمتابعة تطور برنامج "ستارشيب"، وأن كل عملية إطلاق أو اختبار تجذب زوارًا وتنشط الأعمال المحلية.
ويؤكد أصحاب مشروعات قريبة أن أيام إطلاق الصواريخ أصبحت تشبه مواسم الذروة السياحية، إذ يتدفق الزوار لمشاهدة الحدث والإنفاق في المطاعم والحانات والفنادق.
مدينة المستقبل بثمن محلي
تكشف قصة "ستاربيس" عن وجهين متناقضين لطفرة التكنولوجيا في أميركا، فهي من ناحية مدينة تجسد أحلام السفر إلى الفضاء، ومن ناحية أخرى تثير أسئلة حول البيئة والحدود والهوية المحلية وتوزيع مكاسب النمو.
وتضع تجربة جنوب تكساس نموذجًا مكثفًا لصعود اقتصاد تقوده شركات التكنولوجيا الكبرى، حيث يصنع رأس المال الخاص مدنًا ومشروعات عملاقة بسرعة كبيرة، بينما يحاول السكان المحليون التكيف مع التحولات التي تفرضها هذه الطفرة على حياتهم اليومية.