كشفت ميزانية السعودية 2026 عن اتساع العجز المالي في الربع الأول، إلى أعلى مستوى منذ 2018، مع استمرار ارتفاع الإنفاق على مشروعات تنويع الاقتصاد، في وقت تراجعت فيه الإيرادات النفطية على أساس سنوي، وتباطأ النمو الاقتصادي مقارنة بالفترات السابقة.
وبحسب بيانات وزارة المالية السعودية، سجلت المملكة عجزًا في الميزانية بلغ 125.7 مليار ريال خلال الربع الأول من 2026، مقارنة بعجز قدره 95 مليار ريال في الربع الأخير من 2025، وبأكثر من ضعف مستوى العجز المسجل في الفترة نفسها من العام الماضي.
ويعكس ذلك استمرار الضغوط على المالية العامة رغم تحسن نسبي في أسعار النفط خلال الفترة الأخيرة.
ميزانية السعودية 2026 تسجل أوسع عجز منذ 2018
توضح الأرقام أنّ العجز المالي في مطلع 2026، جاء مدفوعًا بمزيج من تراجع الإيرادات النفطية وارتفاع المصروفات الحكومية، بحسب ما ورد في ميزانية السعودية 2026.
فقد انخفضت الإيرادات النفطية بنحو 3% على أساس سنوي في الربع الأول، بينما ارتفع الإنفاق الحكومي بنحو 20% ليصل إلى ما يعادل 103 مليارات دولار.
ويشير هذا التطور، إلى أنّ الحكومة واصلت الإنفاق بقوة على المشروعات المرتبطة بالتحول الاقتصادي، حتى مع تراجع الإيرادات التقليدية التي لا تزال تمثل المصدر الرئيسي للمالية العامة.
ويعكس اتساع العجز استمرار أولوية الإنفاق على برامج التنويع الاقتصادي والمشروعات الكبرى، وهي السياسة التي تتبعها المملكة منذ سنوات عدة، لدفع رؤية 2030 وتعزيز القطاعات غير النفطية، لكنّ هذا التوسع في الإنفاق جاء هذه المرة في بيئة أقل دعمًا من حيث الإيرادات النفطية خلال الربع الأول.
وبينما تركز الحكومة على الحفاظ على زخم الاستثمار الداخلي، فإنّ الأرقام الحالية تُظهر أنّ كلفة هذا المسار تظل مرتفعة في المدى القصير، خصوصًا إذا لم تتزامن مع زيادة كافية في الإيرادات النفطية وغير النفطية.
الحرب رفعت الضبابية لكن تأثيرها الكامل لم يظهر بعد
ويرى التقرير أنّ الأثر المالي الكامل لحرب إيران، التي بدأت في أواخر فبراير، سيظهر بصورة أوضح في بيانات الربع الثاني، مع دخول الصراع شهره الثالث واستمرار حالة الهدنة الهشة. وقد أثرت الحرب على اقتصادات المنطقة، بما في ذلك السعودية، عبر الإضرار بالبنية التحتية وإغلاق مضيق هرمز أمام جزء من صادرات الطاقة.
لكنّ المملكة تمكنت في المقابل من تحويل الجزء الأكبر من صادراتها النفطية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وهو ما ساعدها على الحد من الخسائر المرتبطة بتعطل المسار الخليجي التقليدي.
رغم ضعف الإيرادات النفطية في الربع الأول، فإنّ ارتفاع أسعار الخام قد يمنح المالية السعودية دعمًا أكبر خلال الفصول المقبلة، إذا استمر عند مستوياته المرتفعة الحالية.
فقد ارتفع خام برنت بأكثر من 80% منذ بداية العام إلى نحو 111 دولارًا للبرميل، وهو ما قد يقلص العجز السنوي مقارنة بالتقديرات التي كانت سائدة قبل اندلاع الحرب.
وتشير بعض التقديرات إلى أنّ السعودية تحقق اليوم إيرادات نفطية أعلى بنحو 10% مقارنة بفترة ما قبل الصراع، بفضل ارتفاع الأسعار وقدرتها على الحفاظ على معظم مستويات التصدير عبر البحر الأحمر.
تباطؤ النمو يضيف ضغطًا جديدًا
جاءت بيانات الميزانية في وقت أظهرت فيه أرقام الناتج المحلي الإجمالي تباطؤ النمو الاقتصادي إلى 2.8% على أساس سنوي في الربع الأول، وهو أبطأ معدل نمو منذ منتصف 2024.
وهذا التباطؤ يزيد أهمية قدرة الحكومة على تحقيق توازن بين مواصلة الإنفاق الاستثماري، والحفاظ على استقرار المالية العامة في بيئة إقليمية أكثر تقلبًا.
منذ أواخر 2022، تواصل السعودية تسجيل عجوزات في الميزانية، وهو ما دفعها إلى زيادة الاقتراض من أسواق السندات الدولية، إلى جانب استخدام أدوات تمويل بديلة، تشمل القنوات الخاصة والأسواق المحلية. وفي هذا السياق، أعلن المركز الوطني لإدارة الدين إنجاز خطة الاقتراض لعام 2026، بعد تأمين نحو 90% من الاحتياجات التمويلية قبل اندلاع الحرب.
وأوضح المركز أنه إذا ظهرت حاجة إلى تمويل إضافي لاحقًا، فسيجري التركيز على القنوات الخاصة والأسواق المحلية بوصفها المصادر الرئيسية للتمويل، وهو ما يشير إلى سعي المملكة للحفاظ على مرونة عالية في إدارة احتياجاتها التمويلية.
في تطور داعم للسوق المالية السعودية، أعلن جيه بي مورغان في أبريل، أنه يعتزم إدراج السندات السعودية المقومة بالريال في مؤشره الرئيسي لسندات الأسواق الناشئة مطلع 2027. ومن شأن هذه الخطوة أن تعزز سيولة أدوات الدين الحكومية وتدعم تدفقات استثمارية أجنبية سلبية تتبع المؤشر.
ويمثل ذلك عامل دعم للتمويل الحكومي، لأنه يوسع قاعدة المستثمرين المحتملين في أدوات الدين المحلية ويمنح المملكة مرونة أكبر في تغطية احتياجاتها مستقبلًا.