رغم أنّ تركيا لم تدخل بعد في أزمة طاقة مباشرة بفعل حرب إيران، فإنّ تقريرًا تحليليًا لموقع "المونيتور"، يحذر من أنّ استمرار النزاع قد يدفع الاقتصاد التركي إلى مواجهة ضغوط أشد على التضخم والليرة والحساب الجاري، في وقت لا يزال فيه التعافي الاقتصادي هشّا ومعتمدًا بدرجة كبيرة على استقرار أسعار الطاقة.
وبحسب التقرير، فإنّ أنقرة لا تواجه حاليًا نقصًا حادًا في الإمدادات، لكنها تبقى شديدة الحساسية لأيّ ارتفاع ممتد في أسعار النفط والغاز، بحكم اعتمادها الكبير على الواردات، وبسبب هشاشة التوازن الاقتصادي الذي تحاول الحفاظ عليه في مرحلة لا يزال فيها مسار خفض التضخم بحاجة إلى حماية شديدة.
هدوء قصير الأجل لا يلغي المخاطر
يرى التقرير التحليلي أنّ الحرب لم تخلق حتى الآن أزمة طاقة مباشرة داخل تركيا، رغم الاضطراب الذي أصاب بعض المسارات الإقليمية والضغوط التي اجتاحت الأسواق العالمية.
ويعود ذلك إلى عاملين رئيسيين، تراجع الطلب الموسمي على الغاز خلال الصيف، ووجود مخزونات تمنح السلطات وقتًا إضافيًا للتعامل مع أيّ اضطراب مؤقت.
كما أنّ تنوع مورّدي الغاز والنفط يمنح تركيا هامشًا من المرونة في الأجل القصير، سواء عبر الإمدادات القادمة من روسيا وأذربيجان وإيران، أو عبر الغاز الطبيعي المسال الوارد من مجموعة أوسع من الدول.
المخزون يمنح أنقرة مساحة للحركة
يشير التقرير، إلى أنّ التخزين يمثل عنصر الحماية الأهم في هذه المرحلة، لأنه يسمح لتركيا بامتصاص تذبذب التدفقات من دون انتقال فوري للأزمة إلى السوق المحلية، خصوصًا في فترة ينخفض فيها الاستهلاك مقارنة بموسم الشتاء.
لكنّ هذه الميزة تظل موقتة، لأنّ الخطر الأكبر يظهر إذا امتدت الحرب إلى ما بعد الصيف، حين تبدأ تركيا عادة إعادة ملء مخزوناتها استعدادًا لفصل الشتاء، وهو ما قد يصبح أكثر صعوبة وأكثر كلفة إذا بقيت الأسعار مرتفعة والإمدادات العالمية تحت الضغط.
وتكمن هشاشة الموقف التركي، في أنّ الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الخارج في ملف الطاقة، إذ تستورد البلاد معظم احتياجاتها من الغاز الطبيعي والجزء الأكبر من النفط.
وهذا يجعل أيّ ارتفاع مستمر في الأسعار العالمية ينتقل بسرعة إلى الداخل عبر فاتورة الاستيراد، ثم إلى سعر الصرف، ثم إلى تكاليف الوقود والنقل والغذاء، ما يوسع أثر الصدمة من الطاقة إلى بقية مفاصل الاقتصاد.
التضخم تحت تهديد جديد
يحذر التقرير من أنّ أخطر ما في الأزمة لا يتعلق فقط بالإمدادات، بل بتأثيرها على برنامج خفض التضخم الذي بدأت تركيا تحقق فيه بعض التقدم بعد فترة طويلة من التشديد النقدي ورفع أسعار الفائدة.
فإذا استمرت أسعار النفط والغاز عند مستويات مرتفعة، فإنّ ذلك قد يهدد المكاسب التي تحققت بصعوبة، وقد يدفع صناع السياسة إلى الإبقاء على الفائدة مرتفعة لفترة أطول أو حتى العودة إلى مزيد من التشدد إذا اتسعت الضغوط السعرية.
لا يقتصر تأثير صدمة الطاقة على الوقود وحده، بل يمتد أيضًا إلى الغذاء، مع ارتفاع تكاليف النقل والأسمدة والإنتاج، وهي عناصر تؤثر بشكل مباشر في معيشة الأسر التركية وتضغط على واحدة من أكثر الفئات حساسية في الإنفاق اليومي.
ومن هنا، فإنّ استمرار الحرب لا يعني فقط ارتفاع كلفة الطاقة، بل يهدد أيضًا بزيادة الضغوط المعيشية وتقليص هامش الحكومة في التعامل مع التضخم والإنفاق والدعم.
بدائل متاحة لكن بثمن أعلى
ويوضح التقرير، أنّ تركيا تستطيع نظريًا تعويض جزء من أيّ نقص محتمل، عبر زيادة الاعتماد على بعض الموردين الآخرين أو الاستفادة من بنيتها التحتية الحالية، لكنّ هذه البدائل ليست سهلة ولا رخيصة.
فكلما طال أمد الحرب اشتدت المنافسة على الشحنات والبدائل، وارتفعت الكلفة على الدول المستوردة، ما يعني أنّ المشكلة قد لا تكون في توافر الإمداد فقط، بل في ثمن الحصول عليه أيضًا.
في المقابل، يرى التقرير أنّ الأزمة قد تمنح تركيا فرصة لتعزيز موقعها كممر إقليمي للطاقة، في ظل تزايد أهمية خطوط الأنابيب البرية التي تتجاوز الاختناقات البحرية مثل مضيق هرمز.
ومع اضطراب الصادرات الخليجية وارتفاع قيمة المسارات البديلة، قد تحاول أنقرة تقديم نفسها باعتبارها بوابة أكثر موثوقية لنقل الطاقة إلى أوروبا، حتى لو لم يلغِ ذلك التحديات الاقتصادية الداخلية التي تواجهها حاليًا.