دفعت الهجمات التي استهدفت إيران، الأسواق العالمية إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية بوتيرة سريعة، في وقت اتجهت فيه الأنظار إلى تداعيات محتملة على النفط والغاز والملاحة البحرية والطيران والتضخم العالمي، ومع أن الصورة الكاملة لحجم الأضرار لم تتضح بعد، فإن المؤشرات الأولية تعكس اتساع دائرة القلق في الاقتصاد العالمي، خصوصا مع حساسية المنطقة لتدفقات الطاقة والتجارة الدولية.
تضرّر سلاسل الإمداد
وقال الخبير الاقتصادي محمد عبد العال، إن اتساع التوترات والصدامات العسكرية في الشرق الأوسط لا يقتصر على الكلفة العسكرية المباشرة، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة وحركة التجارة والتضخم ومسارات السياسة النقدية، خصوصًا في الدول النامية والناشئة.
وأضاف عبد العال لـ"المشهد"، أن "العالم يمر بمرحلةٍ شديدة الحساسية مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية، وأن استمرار هذا الوضع يضغط على معدلات النمو والاستثمار ويهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي.
وأشار عبد العال إلى أن أخطر نتائج الحروب الكبرى تتمثل في تعطيل خطوط الإمداد والإنتاج ورفع تكاليف الشحن والتأمين والغذاء والطاقة، مستشهدًا بما حدث بعد الحرب الروسية الأوكرانية، حين دفعت موجة التضخم العالمية البنوك المركزية الكبرى إلى التحول من السياسات التيسيرية إلى التشديد النقدي، وهو ما انعكس سلبا على الاقتصادات النامية ومستويات المعيشة.
وتبرز الهجمات على إيران اليوم كعامل ضغطٍ مباشرٍ على أسواق الطاقة العالمية، في ظل تزايد المخاوف من اضطراب الإمدادات وارتفاع كلفة الشحن والتأمين، إلى جانب انعكاسات محتملة على قرارات البنوك المركزية واتجاهات المستثمرين نحو الملاذات الآمنة.
النفط في قلب الحدث
جاء النفط في صدارة القطاعات المتأثرة، لأن أي اضطراب في محيط الخليج ومضيق هرمز ينعكس مباشرة على توقعات المعروض العالمي، إذ يمر عبر المضيق نحو 20% من الإمدادات النفطية العالمية، ما يجعل أي توتر في المنطقة عاملًا كافيًا لرفع علاوة المخاطر على الأسعار.
وكان خام برنت قد أنهى تعاملات الأسبوع الماضي قرب 73 دولارًا للبرميل، بينما تشير تقديرات بعض البنوك إلى أن استمرار التصعيد ضمن نطاقٍ محدودٍ قد يدفعه إلى حدود 80 دولاراً، في حين قد يقترب من 100 دولارٍ إذا تطور الصراع وأصاب الإمدادات فعليا، وهو ما قد يضيف ما بين 0.6 و0.7 نقطة مئوية إلى التضخم العالمي.
وقالت رئيسة قسم أبحاث السلع الأولية في آر.بي.سي كابيتال، حليمة كروفت، إنّ "التأثير النهائي للعمليات العسكرية اليوم على أسعار النفط، سيتوقف على الأرجح على ما إذا كان الحرس الثوري الإيراني سيستسلم في مواجهة الهجوم الجوي أم سيواصل اتخاذ إجراءاتٍ تصعيدية.
وأشارت إلى احتمالية تجاوز سعر النفط 100 دولار للبرميل، وتقول، "نود أيضًا أن نشير إلى أنّ كلّ هذا يحدث في ظل ضعف قدرة منظمة أوبك على امتصاص الصدمات، في رأينا، جميع منتجي أوبك+ وصلوا إلى أقصى طاقاتهم الإنتاجية باستثناء السعودية، وبالتالي، فإنّ تأثير أيّ زيادة في إنتاج أوبك+... سيكون محدودًا بسبب نقص القدرات الإنتاجية الفعلية". بحسب ما نشرته رويترز.
جورج ليون نائب الرئيس الأول ورئيس قسم التحليل الجيوسياسي في ريستاد إنرجي: "يمكن استخدام البنية التحتية البديلة في الشرق الأوسط لتجاوز التدفقات عبر هرمز، ولكنّ التأثير الصافي يظل خسارة فعلية تتراوح بين 8 و10 ملايين برميل يوميًا من إمدادات النفط الخام"، في سوق عالمية تستهلك نحو 100 مليون برميل يوميًا.
وأضاف، "قد تتخذ الدول التي تمتلك احتياطيات نفطية إستراتيجية إجراءات وتسحب كميات، إذا كان هناك خطر من امتداد الاضطراب بالمضيق، وما لم تظهر إشارات على تراجع التوتر بسرعة، نتوقع إعادة تسعير للنفط برفعٍ كبيرٍ في بداية الأسبوع".
خبير: التصعيد يؤثّر في توازن الأسواق
وفي ظل هذا المشهد، بدأت السوق تترقّب رد فعل المنتجين الكبار، وتدور التوقعات حول احتمال مناقشة تحالف أوبك+ زيادة أكبر من المخطط للإنتاج، في محاولة لامتصاص صدمة المخاطر وتهدئة السوق، لكن هذا التحرك يظل محدود الأثر إذا استمرّ القلق بشأن الملاحة والإمدادات.
ومن جانبه، قال الخبير هاني حافظ إن الشرق الأوسط يمثل نقطة ارتكاز رئيسية في أسواق الطاقة والتجارة العالمية، ما يجعل أي تصعيد عسكري داخله ذا أثر مباشر وسريع على الاقتصاد العالمي كله، وليس على اقتصادات المنطقة فقط.
وأضاف أن أي اضطراب في ممرات إستراتيجية مثل مضيق هرمز ومضيق باب المندب وقناة السويس قد يربك التجارة والتصنيع عالميا، ويرفع حالة الترقب في الأسواق الدولية.
وأوضح حافظ، أن التجربة السابقة للحرب الروسية الأوكرانية أظهرت كيف يمكن للتوترات الجيوسياسية أن تضرب سلاسل الإمداد، وترفع أسعار الشحن والنولون والمواد الخام والطاقة، لكنه شدد على أن الشرق الأوسط أكثر حساسيةً في الوقت الحالي، نظرا لارتباطه المباشر بإمدادات النفط ودوره المحوري في توازن الأسواق العالمية.
الذهب والدولار في بؤرة المتابعة
وفي ما يتعلق برد فعل الأسواق، رأى الخبير محمد عبد العال، أن فترات الحرب وعدم اليقين تدفع المؤسسات الكبرى والبنوك المركزية إلى البحث عن الملاذات الآمنة، وهو ما يفسر استمرار قوة الطلب على الذهب والمعادن النفيسة والفضة، إلى جانب صعود الدولار في أوقات الأزمات.
وأضاف أن أي تصعيد عسكري واسع قد يدعم الذهب والدولار بالتوازي خلال فترات القلق العالمي، متوقعًا أن يتجاوز سعر الأونصة عالميًا 6000 دولار، فضلا على فقزة المعادن الأخرى مثل الفضة والنحاس.
ولفت إلى أن بعض الآثار الاقتصادية للصراعات لا تظهر بشكلٍ فوريٍّ وكامل، لكنها تبدأ تدريجيًّا ثم تتسع مع استمرار الأزمة واتساع نطاقها.
الفائدة أمام سيناريو التريث
وفي ملف السياسة النقدية، قال عبد العال إن استمرار الهجمات أو تحولها إلى حرب ممتدة قد يدفع البنوك المركزية إلى التريث الشديد في قراراتها، مع تثبيت أسعار الفائدة في البداية، وربما العودة إلى رفعها إذا تصاعدت الضغوط التضخمية واستمرت الاضطرابات في أسواق الطاقة والإمدادات.