تواجه أوروبا تصاعدًا سريعًا في فاتورة الكوارث الطبيعية المرتبطة بتغير المناخ، مع اتساع حرائق الغابات والفيضانات وموجات الحر، في وقت لا يغطي التأمين سوى نحو ربع الخسائر الناجمة عن هذه الظواهر.
ويهدد اتساع فجوة التغطية بنقل جانب متزايد من تكاليف التعويض وإعادة الإعمار إلى الحكومات، ما يضيف ضغوطًا جديدة على الموازنات العامة ويدفع المؤسسات الأوروبية إلى بحث إنشاء نظام مشترك لإعادة التأمين وصندوق لتمويل الكوارث.
208 مليارات يورو خسائر خلال 4 سنوات
تسببت الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة، في خسائر اقتصادية تجاوزت 208 مليارات يورو داخل الاتحاد الأوروبي خلال الفترة بين 2021 و2024.
وبلغت الخسائر التراكمية نحو 822 مليار يورو بين عامي 1980 و2024، فيما جاءت السنوات الـ4 الأخيرة جميعها ضمن أعلى خمس سنوات من حيث قيمة الأضرار المسجلة منذ بدء جمع البيانات.
وتشمل الخسائر الأضرار التي تلحق بالمنازل والمصانع والبنية التحتية والزراعة، إلى جانب توقف النشاط الاقتصادي وتكاليف الإجلاء ومكافحة الحرائق وإعادة الإعمار.
لا تغطي وثائق التأمين سوى نحو 25% من خسائر الكوارث الطبيعية المرتبطة بالمناخ في الاتحاد الأوروبي، ما يترك ثلاثة أرباع الأضرار تقريبًا من دون حماية تأمينية.
وتختلف معدلات التغطية بصورة واسعة بين الدول، إذ تنخفض حصة الخسائر المؤمنة إلى أقل من 5% في بعض الأسواق الأوروبية.
وتعني الفجوة أن الأسر والشركات والحكومات تضطر إلى تحمل معظم تكاليف التعافي بعد وقوع الكوارث.
حرائق فرنسا وإسبانيا تضاعف الضغوط
دفعت حرائق الغابات الواسعة في فرنسا وإسبانيا أكثر من 300 ألف شخص إلى مغادرة منازلهم، وألحقت أضرارًا بمساحات كبيرة من الغابات والممتلكات والمنشآت التجارية.
وفي جنوب غرب فرنسا، أتت النيران على نحو 42 ألف هكتار، فيما تأثر أكثر من 13 ألف نشاط تجاري داخل مناطق الإجلاء.
وقدر مسؤولون محليون أن نحو 130 ألف موظف في إقليم جيروند لم يتمكنوا من ممارسة أعمالهم بصورة طبيعية بسبب الحرائق وإغلاق الطرق وعمليات الإخلاء.
يدفع تكرار الحرائق والفيضانات والعواصف شركات التأمين إلى إعادة تسعير المخاطر ورفع قيمة الأقساط في المناطق الأكثر عرضة للكوارث.
وقد تلجأ بعض الشركات إلى تقليص حدود التغطية أو زيادة المبالغ التي يتحملها العميل أو الانسحاب من مناطق ترتفع فيها احتمالات الخسائر بدرجة كبيرة.
ويهدد هذا الاتجاه بجعل التأمين أقل قدرة على التحمل بالنسبة إلى الأسر محدودة ومتوسطة الدخل، ما يؤدي إلى اتساع فجوة الحماية بدرجة أكبر.
الحكومات تتحمل فاتورة متزايدة
عندما تكون الممتلكات غير مؤمن عليها أو تكون التغطية غير كافية، تتجه الحكومات عادة إلى تقديم تعويضات طارئة ودعم الأسر والشركات وتمويل إصلاح الطرق وشبكات الكهرباء والمرافق العامة.
ومع تكرار الكوارث، تتحول المساعدات الاستثنائية إلى التزام مالي متزايد قد يرفع الإنفاق العام والاقتراض، خصوصًا في الدول التي تعاني بالفعل مستويات مرتفعة من الدين.
كما تزيد الكوارث تكاليف مكافحة الحرائق وإعادة التشجير والحماية من الفيضانات وتطوير أنظمة الإنذار المبكر.
اقترح البنك المركزي الأوروبي والهيئة الأوروبية للتأمين والمعاشات، إنشاء نظام عام وخاص لإعادة التأمين على مستوى الاتحاد.
ويهدف النظام إلى تجميع مخاطر الدول والكوارث المختلفة داخل محفظة أوروبية أوسع، ما يساعد على توزيع الخسائر وخفض تكلفة تغطية المناطق شديدة التعرض.
ومن المقرر تمويل النظام من أقساط مرتبطة بدرجة المخاطر تدفعها شركات إعادة التأمين أو أنظمة التأمين الوطنية المشاركة.
صندوق مشترك لإعمار البنية التحتية
يشمل المقترح، ركيزة ثانية تتمثل في تأسيس صندوق أوروبي لتمويل الكوارث، تسهم فيه الدول الأعضاء بهدف دعم إعادة بناء البنية التحتية العامة.
ولا يقدم الصندوق تمويلًا غير مشروط، إذ يرتبط حصول الدول على الدعم بتنفيذ إجراءات مسبقة لتقليل المخاطر وتحسين الاستعداد للكوارث.
ويستهدف هذا الشرط منع اعتماد الدول بالكامل على المساعدات الأوروبية، وتشجيعها على الاستثمار في الوقاية والتكيف قبل وقوع الأضرار.
لا يستطيع قطاع التأمين تحمل الزيادة المستمرة في الخسائر من دون استثمارات موازية في الوقاية والتكيف المناخي.
وتشمل الإجراءات المطلوبة تحديث قواعد البناء، ومنع التوسع العمراني في مناطق الفيضانات والحرائق، وإدارة الغابات، وتحسين شبكات تصريف المياه وأنظمة الإنذار والإجلاء.
ويمكن لهذه الاستثمارات أن تخفض حجم الأضرار المستقبلية، وتحافظ على قابلية الممتلكات للتأمين وتحد من الأعباء التي تتحملها المالية العامة.


