فماذا يمكن أن تحمل لنا الساعات المقبلة من تحركات في الأسواق وهل يستمر حذر رجال المال والأعمال؟.
النفط يعكس الاتجاه
سوق النفط الذي تفاعل بقوة في جلسة أمس الأربعاء، مع أنباء هدنة الحرب التي توقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، وخسر خام برنت 15% تقريبًا ليلامس 91 دولارًا، إلا أنّ جبهة لبنان المفتوحة أعادت الأسعار للصعود مرة أخرى في تداولات جلسة الخميس 9 أبريل قرب 98 دولارًا للبرميل.
في المقابل، تذبذبت أسعار الذهب العالمية في الجلسة الآسيوية بين 4,711 و4,722 دولارًا فقط، في تحركات محدودة للغاية بالتعاملات الفورية، مع تمسك المستثمرين بالحذر انتظارًا لإشارات أكثر واضحة بشأن محادثات وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.
الذهب في حالة ترقب لصدور بيانات التضخم المهمة في الولايات المتحدة لاحقًا اليوم، وانخفضت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم يونيو 0.8% إلى 4,739.20 دولارًا.
مؤشر الدولار
كما هبط مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل سلة من العملات، 0.01% إلى 99.05. وارتفع اليورو 0.01% إلى 1.1663 دولار وزاد الجنيه الإسترليني قليلًا بنسبة 0.01% إلى 1.3393 دولار.
وبدد الين بعض مكاسبه التي حققها في الجلسة الماضية عقب الإعلان عن الهدنة، وانخفض 0.13% إلى 158.8 مقابل الدولار.
وحقق الدولار أكبر المكاسب خلال حرب إيران مقارنة ببقية العملات، ومن أسباب ذلك كون الولايات المتحدة مصدرًا صافيًا للطاقة، وبالتالي فهي أقل عرضة للتداعيات الاقتصادية التي تواجهها الدول المستوردة للنفط مثل اليابان والعديد من الدول الأوروبية.
وهزت الحرب التي استمرت نحو 5 أسابيع ثقة المستثمرين وتسببت في أكبر اضطراب في إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق.
بورصة أميركا تتفاعل مع الهدنة
أغلقت الأسهم الأميركية على ارتفاع حاد في جلسة الأربعاء 8 أبريل 2026، بعد أن أدى اتفاق وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران إلى تحسن معنويات المستثمرين "موقتً".
تمسك المستثمرون بالحذر انتظارًا لإشارات أكثر وضوحًا بشأن محادثات وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك قبيل صدور بيانات التضخم المهمة في الولايات المتحدة لاحقًا اليوم.
وتسبب الصراع، الذي بدأ بضربات أميركية إسرائيلية مشتركة على إيران في 28 فبراير، في اضطراب الأسواق العالمية وتعطيل إمدادات النفط العالمية وإثارة مخاوف من ارتفاع التضخم.
فتح مضيق هرمز
وقال مسؤول إيراني رفيع المستوى لرويترز، إنّ مضيق هرمز الحيوي، الذي يمر عبره 20 % إمدادات النفط العالمية، قد يُعاد فتحه الخميس أو الجمعة قبل محادثات السلام إذا اتفقت الدول على إطار لوقف إطلاق النار.
وقال مايك ديكسون، رئيس إدارة المحافظ في شركة هورايزون إنفستمنتس في شارلوت بولاية نورث كارولاينا، "إنها خطوة متوقعة اليوم ولا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به، لكنني أعتقد أنّ السوق يشعر بارتياح كبير".
وتشير بيانات أولية إلى أنّ المؤشر ستاندرد اند بورز 500 ارتفع 166.63 نقطة، أو 2.52%، ليغلق عند 6783.48 نقطة، وصعد المؤشر ناسداك المجمع 620.05 نقطة، أو 2.82%، إلى 22637.90 نقطة. وزاد المؤشر داو جونز الصناعي 1329.56 نقطة، أو 2.85%، إلى 47914.02 نقطة.
ماذا تنتظر الأسواق؟
وأظهر محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الاتحادي الذي عقد يومي 17 و18 مارس، أنّ عددًا متزايدًا من صانعي السياسة يشعرون بأنّ رفع أسعار الفائدة قد يكون ضروريًا لكبح التضخم الذي استمر في تجاوز هدف البنك المركزي البالغ 2%.
ويترقب المستثمرون الآن بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر فبراير، وبيانات طلبات إعانة البطالة الأسبوعية المقرر صدورها في وقت لاحق اليوم، للحصول على مزيد من المؤشرات حول مسار سياسة البنك المركزي الأميركي.
كما تفاعلت أسواق العملات المشفرة مع إعلان وقف الحرب، وحققت مكاسب واضحة في تداولات جلسة الأربعاء، إلا أنّ جلسة الخميس حملت معها أداءً سلبيًا في أهم 5 عملات رئيسية، حيث فقدت بيتكوين 1% كما تراجعت إيثيريم 2.7% وسولانا فقدت 3% كما هبطت بينانس كوين اليوم BNB بأكثر من 2.5% وتراجعات في عملات أخرى.
حذر السيولة في الأسواق
يقول الدكتور هاني قداح الخبير الاقتصادي، إنّ تفاعل الأسواق مع أنباء وقف الحرب طبيعية جدًا، فصعود الأسهم والذهب بالإضافة إلى هبوط النفط كلها "متوقعة"، لكن هناك حذر في تحريك السيولة النقدية داخل الأسواق وهذا يظهر في سوق الكريبتو.
وأضاف في رسالة لـ"المشهد"، أنّ السوق في حالة ترقب لاستكمال المباحثات في باكستان لتثبيت الهدنة، خصوصًا أنّ التصعيد في لبنان أمس، أربك المستثمرين والصناديق لأنها حملت تهديدًا واضحًا بانهيار الهدنة.
وشدد على أنّ الحدث الأبرز والأهم وما يترقبه السوق، هو إعادة فتح مضيق هرمز، لأنه "كلمة السر" لاستعادة الثقة المفقودة، فالمضيق يتحكم في 20% من إمدادات النفط العالمية ويمثل أداة بتبعات اقتصادية كارثية على الدول المستوردة للطاقة، خصوصًا في أوروبا واليابان، بخلاف الولايات المتحدة التي تظل أقل عرضة للصدمات كونها مصدرًا صافيًا للطاقة.
ويحذر "قداح" من أنّ الساعات المقبلة ستكون "ساعات اختبار" لرجال المال والأعمال، فإما أن تتحول الهدنة إلى اتفاق إطار يضمن تدفق النفط، أو سنشهد موجة جديدة من الهروب نحو الملاذات الآمنة، ما قد يدفع الدولار لمستويات مرتفعة ويضع الأسهم تحت ضغوط بيعية عنيفة والنفط كذلك حال عودته فوق 100 دولار، فإنه يجب النظر في مؤشر التضخم العالمي.
تضخم هيكلي
من جهته، يرى رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية د. خالد الشافعي، أنّ الأثر الاقتصادي لحرب الأسابيع الخمسة الماضية، قد تجاوز مجرد تذبذب الأسعار ليتحول إلى "تضخم هيكلي" مدفوع باضطرابات الطاقة، فهناك ما يسمى حالة "التحوط الدفاعي" التي يسلكها كبار المستثمرين في ظل هذه الظروف، وهي عملية تحريك بطئ للسيولة وسط ترقب لمحادثات تثبيت الهدنة.
وأشار إلى أنّ محضر اجتماع الاحتياطي الاتحادي الأخير دق ناقوس الخطر من شبح التضخم العنيف، إذ إنّ الحديث عن رفع أسعار الفائدة في ظل الحرب، يؤكد أنّ البنك المركزي الأميركي بات يخشى خروج التضخم عن السيطرة، وهو ما يجعل الدولار في حالة تذبذب بانتظار إشارات حاسمة حول مسار سياسة "الفيدرالي" المستقبلية، لذلك لاحظنا هذه التغيرات في أداء مؤشر العملات والمعادن التي تتفاعل بقوة مع تحركات الفيدرالي الأميركي.
ارتباك الكريبتو
في المقابل، يرى الدكتور أحمد معطي محلل أسواق المال، أنّ الأسواق العالمية تعيش حالة من "الارتياح المشروط" الذي لا يرقى لمرحلة الاستقرار المستدام، وهذا يظهر في عودة التحركات الحذرة في أسواق النفط والمعادن، كما أنّ تفاعل البورصات الأميركية إيجابًا مع أنباء الهدنة "جيد"، لكنها مجرد جلسة واحدة.
وأضاف أنّ العودة السريعة لخام برنت لملامسة مستوى 98 دولارًا تعكس مخاوف حقيقية من عودة الصراع من جبهة لبنان والتهديدات الإيرانية المضادة جعلت من وقف إطلاق النار اتفاقًا غير مكتمل لم ينجح في تبديد مخاوف المستثمرين، بدليل استمرار حالة "النزيف" في سوق العملات المشفرة التي تخلت عن مكاسبها سريعًا فور ظهور بوادر عودة التصعيد، ما يعزز فرضية أنّ المخاطر الجيوسياسية لا تزال المحرك الأول للأسعار.