تواجه الزراعة في مصر ضغوطاً متزايدة مع ارتفاع أسعار الأسمدة والطاقة والبذور والمبيدات، في تطور يضع صغار المزارعين أمام موسم شديد الصعوبة، خصوصا مع امتداد تداعيات الحرب في الشرق الأوسط إلى أسواق الوقود والشحن ومدخلات الإنتاج الزراعي.
وفي قرية نزلة الشوبك جنوب القاهرة، باتت هذه الضغوط تظهر بوضوح في تفاصيل العمل اليومي داخل الحقول، بعدما أصبحت كلفة الزراعة أعلى من قدرة كثير من الفلاحين على التحمل، في وقت لا تغطي فيه أسعار بيع المحاصيل النفقات الفعلية للإنتاج.
صغار المزارعين تحت ضغط التكاليف
ويعكس واقع الحقول اتساع الفجوة بين كلفة الزراعة والعائد المتوقع من المحاصيل.
ويقول المزارع أشرف أبو رجب، وهو يقف بين شتول الذرة والسمسم في أرضه بقرية نزلة الشوبك: "زاد سعر كل شيء، الأسمدة والتقاوي والمبيدات. ولم تعد المحاصيل تغطي تكاليفها".
ويضيف أن هذه الزيادة دفعته إلى تقليص المساحة المزروعة إلى النصف، بعدما كان يزرع فداناً كاملاً بمساعدة 3 فلاحين آخرين.
ولم يعد أبو رجب يزرع اليوم سوى نصف فدان بمفرده، بعدما أصبح غير قادر على تحمل أجور العمالة.
ويقول: "لم يعد بإمكاني تحمّل الأجور"، كما اضطر إلى التخلي عن زراعة القمح، وهو من المحاصيل التي تحتاج إلى كميات كبيرة من الأسمدة، في محاولة لتخفيف الخسائر وتقليص كلفة الموسم.
ويرتبط جانب كبير من الأزمة الحالية بارتفاع أسعار الأسمدة والطاقة نتيجة اضطرابات الإمدادات في المنطقة، خصوصا مع تأثر الشحن عبر مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره قبل الحرب جزء كبير من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال والأسمدة.
الفاو تحذر من خيارات صعبة أمام المزارعين
يرى كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة ماكسيمو توريرو، أن المزارعين أصبحوا أمام قرارات قاسية قد تترك أثراً مباشراً على الإنتاج.
ويقول: "سيضطر المزارعون إلى اتخاذ خيارات صعبة كتقليل استخدام المواد المستخدمة في الزراعة أو تغيير المحاصيل أو خفض الري، وكل ذلك يقلّل من الإنتاجية".
وأدت هذه الضغوط إلى ارتفاع واضح في أسعار الأسمدة النيتروجينية، إذ صعد سعر طن اليوريا الحبيبية إلى ما بين 700 و750 دولاراً، بعد أن كان في حدود 400 دولار قبل الحرب، وفق ما أكده رئيس غرفة الصناعات الكيماوية شريف الجبلي.
ويعني هذا التحول أن المزارعين باتوا يواجهون موسماً أكثر كلفة في وقت تتراجع فيه قدرتهم على تمرير هذه الزيادة إلى أسعار بيع المحاصيل.
المزارعون المستأجرون الأكثر تضرراً
وتزداد الضغوط على الفلاحين الذين يزرعون أراضي بالإيجار، لأنهم لا يستفيدون من الأسمدة المدعومة التي تذهب أساساً إلى حائزي الصفة الرسمية "مزارع"، وهم غالباً ملاك الأراضي.
ونتيجة لذلك، يضطر هؤلاء إلى شراء احتياجاتهم من السوق المفتوحة بأسعار أعلى كثيراً، أو اللجوء إلى الاقتراض من أجل بدء الموسم على أمل سداد الديون بعد الحصاد.
يقول المزارع محمد رجب، الذي يزرع أرضاً مستأجرة في القرية نفسها، إنه دخل الموسم مثقلاً بكلفة مرتفعة وعائد غير مضمون. ويؤكد: "خسرت نصف ما استثمرته العام الماضي"، مضيفاً أن "المزارعين ومستأجري الأراضي هم أكثر من يتعرضون للظلم".
في القرى الزراعية، بدأت آثار الأزمة تظهر في الممارسة اليومية، من تعطيل مضخات الري لساعات لتوفير الوقود، إلى تغيير تركيبة المحاصيل نفسها، مع اتجاه بعض الفلاحين إلى زراعة العلف إلى جانب الخضراوات أو تقليص المساحات التي تحتاج إلى كميات أكبر من المياه والأسمدة.
سوق المحاصيل يتحول إلى مخاطرة
لا تتوقف الأزمة عند كلفة الزراعة فقط، بل تمتد إلى تسويق المحصول. فبعض المزارعين باتوا يؤجلون البيع أملاً في تحسن الأسعار، بعدما أصبحت أسعار البطاطا والقمح ومحاصيل أخرى أقل من مستوى التكاليف.
ويقول أشرف أبو رجب، إنه لم يبع محصول البطاطا بعد "لأن سعرها لم يغط التكلفة"، وهو ما يحول سوق المحاصيل إلى مقامرة حقيقية ينتظر فيها الفلاحون ارتفاع الأسعار حتى لا يخرجوا من الموسم بخسائر أكبر.
في المقابل، تستفيد شركات إنتاج الأسمدة من البيئة السعرية الحالية، إذ أعلنت شركة أبو قير للأسمدة، وهي من أكبر منتجي النيتروجين في مصر، أن أرباحها غير المدققة للربع الأول من العام الجاري تضاعفت أكثر من مرتين.
يحذر نقيب الفلاحين حسين أبو صدام، من أن استمرار ارتفاع التكاليف قد يدفع إلى تراجع إنتاج المحاصيل الأكثر اعتماداً على الأسمدة، وفي مقدمتها القمح والذرة والأرز.
ويقول إن البلاد قد تواجه "موسماً صعباً للغاية" إذا استمرت هذه الأوضاع، مضيفاً: "إن ارتفعت الأسعار أكثر من ذلك، لن يتمكن المزارعون من الاستمرار أو سيعانون من الخسارة".
ضغوط ممتدة على الأمن الغذائي
تكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في مصر، لأن القمح يمثل نحو ثلث الأراضي المزروعة، في وقت تعتمد فيه الدولة أيضاً على استيراد ما بين 12 و14 مليون طن سنوياً، مع استمرار دعم الخبز للمستهلكين.
ولهذا، فإن أي تراجع في زراعة القمح أو المحاصيل الأساسية الأخرى يفتح الباب أمام ضغوط أوسع على الأمن الغذائي وكلفة الإمدادات.
بحسب ماكسيمو توريرو، فإن الأسواق لن تستعيد توازنها سريعاً حتى إذا أعيد فتح مضيق هرمز قريباً. ويقول إن الأسواق قد تحتاج "بين ستة وثمانية أشهر للتعافي"، محذراً من أنه إذا استمرت الاضطرابات "فقد نواجه وضعاً مشابهاً لجائحة كوفيد-19 بحلول نهاية هذا العام أو العام المقبل".