بدأت الطاقة النظيفة في الصين أداء دور يتجاوز خفض الانبعاثات، لتصبح عنصرًا أساسيًا في حماية الاقتصاد من تقلبات أسعار النفط واضطراب الإمدادات، مع توسع استخدام الكهرباء والطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية على حساب الفحم والوقود النفطي.
وأظهر تقرير صادر عن مركز أبحاث الطاقة إمبر، أن استهلاك الوقود الأحفوري يشهد ركودًا في أجزاء متزايدة من الاقتصاد الصيني، بالتزامن مع انتقال الكهرباء النظيفة إلى مجالات كانت تعتمد سابقًا على الفحم والنفط.
الطاقة النظيفة تقلص استهلاك الفحم في الصين
كشف تقرير الطاقة النظيفة في الصين، أن إنتاج الكهرباء من الفحم توقف عن النمو في 17 مقاطعة ومنطقة، بينما بلغ استهلاك الوقود الأحفوري ذروته في 8 من أصل 11 قطاعًا صناعيًا شملتها الدراسة.
وتشير هذه النتائج إلى أن التوسع في مصادر الطاقة المتجددة لم يعد يقتصر على تلبية الزيادة الجديدة في الطلب على الكهرباء، بل بدأ يزيح جزءًا من إنتاج المحطات العاملة بالفحم داخل عدد متزايد من المناطق والقطاعات.
وبحسب مركز إمبر، تراجع إنتاج الكهرباء من المحطات الحرارية، التي يعمل معظمها بالفحم، بنسبة 0.7% خلال 2025، رغم ارتفاع إجمالي الطلب على الكهرباء بنسبة 5%.
ويمثل تزامن انخفاض إنتاج المحطات الحرارية مع نمو الطلب تحولًا غير مسبوق في سوق الطاقة الصينية، إذ أصبحت الكهرباء النظيفة قادرة على تغطية الزيادة في الاستهلاك، إلى جانب إحلال جزء من الإنتاج المعتمد على الفحم.
الكهرباء تدعم أمن الطاقة الصيني
قال كبير محللي مركز إمبر ومعد التقرير مويي يانغ، إن البيانات تعكس توسع استخدام الكهرباء بديلًا من الوقود الأحفوري في قطاعات متزايدة من الاقتصاد، كما تعزز قدرة الصين على مواجهة الصدمات الجيوسياسية التي تهدد إمدادات الطاقة.
وتكتسب هذه التحولات أهمية أكبر في ظل اعتماد الصين القوي على النفط المستورد، إذ تغطي الواردات أكثر من 70% من استهلاك البلاد، ما يجعل الاقتصاد معرضًا لتقلبات الأسعار واضطرابات طرق الشحن، خصوصًا في منطقة الخليج ومضيق هرمز.
ونجحت الصين في امتصاص جانب من صدمة اضطراب سوق الطاقة عبر استخدام احتياطاتها الاستراتيجية وتنويع مصادر الإمدادات، بالتوازي مع تسريع الاعتماد على الكهرباء والطاقة المتجددة.
وأوضح كبير محللي مركز إمبر ومعد التقرير مويي يانغ أن نظام الطاقة النظيفة في الصين اكتسب حجمًا وقوة يسمحان له تدريجيًا بأداء وظائف كانت تعتمد في السابق على مصادر الوقود الأحفوري.
أعلنت السلطات الصينية مطلع سبتمبر، أن القدرة المركبة لمحطات الطاقة الشمسية تجاوزت للمرة الأولى قدرة المحطات العاملة بالفحم، لتصبح الطاقة الشمسية أكبر مصدر للطاقة في البلاد من حيث القدرة المركبة.
كما تراجعت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الصين خلال الربع الثاني، مدفوعة بانخفاض استهلاك النفط على خلفية اضطراب الإمدادات المرتبط بالصراع في الشرق الأوسط، وفقًا لبيانات مركز أبحاث كربون بريف.
وتعد الصين أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة في العالم، لكنها تستهدف الوصول إلى ذروة انبعاثاتها الكربونية بحلول 2030 وتحقيق الحياد الكربوني بحلول 2060.
السيارات الكهربائية تخفض الطلب على البنزين
أدى الانتشار السريع للمركبات الكهربائية في الصين، إلى تجنب استهلاك نحو 400 ألف برميل من البنزين يوميًا خلال 2024، ما يعكس التأثير المباشر لتحول قطاع النقل على الطلب المحلي على النفط.
واستحوذت سيارات الركاب الكهربائية على 67% من إجمالي مبيعات السيارات الجديدة في يونيو، بينما زادت مبيعات الشاحنات الكهربائية بأكثر من الضعف خلال 2024، قبل أن تتضاعف مجددًا في 2025.
وبلغت حصة الشاحنات الكهربائية 26% من إجمالي مبيعات الشاحنات الجديدة خلال العام الماضي، ما يشير إلى انتقال التحول الكهربائي من سيارات الركاب إلى قطاع النقل التجاري كثيف استهلاك الوقود.
ويساعد انخفاض استهلاك البنزين والديزل على تقليل حاجة الصين إلى الواردات النفطية، ويحد من تأثر الاقتصاد بارتفاع الأسعار أو تعطل الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط.
ولا تقتصر المكاسب الاقتصادية لتحول الطاقة على خفض استهلاك الوقود الأحفوري، إذ تستفيد بكين أيضًا من تصدير المركبات الكهربائية والبطاريات والألواح الشمسية وغيرها من تقنيات الطاقة النظيفة.
وتجاوزت قيمة صادرات الصين من التقنيات النظيفة 220 مليار دولار خلال 2025، بينما ارتفعت حصتها إلى 6.6% من إجمالي الصادرات الصينية في النصف الأول من 2026، مقابل 2.7% فقط في 2020.
أكد مركز إمبر، أن تراجع استهلاك الوقود الأحفوري في بعض القطاعات الصينية لا يعود إلى انكماش النشاط الصناعي، بل إلى توسع استخدام الكهرباء وتحسن كفاءة استهلاك الطاقة.


