عاد الذهب إلى واجهة الجدل في الأسواق العالمية، بعدما فشل في الحفاظ على الزخم الذي دفعه إلى قمته التاريخية مطلع العام، ما أثار تساؤلات جديدة حول ما إذا كان المعدن النفيس مقبلًا على تراجع أعمق تحكمه الدورات السعرية السابقة، أم أن حرب إيران وتقلبات النفط وتوقعات الفائدة الأميركية فرضت هذه المرة محركات مختلفة قد تعيد رسم مساره، بحسب مقال تحليلي كتبه كلايد راسل، كاتب عمود السلع والطاقة في آسيا، ونشرته رويترز.
ويشير المقال إلى أن الذهب، رغم تراجعه من ذروته القياسية المسجلة في يناير فوق 5,500 دولار للأوقية، لا يزال متماسكًا نسبيًا مقارنة بما حدث في دورات سابقة، وهو ما يفتح الباب أمام جدل أوسع حول ما إذا كانت السوق تسير بالفعل على خطى التاريخ، أم أن حرب إيران وأسعار النفط وتوقعات الفائدة الأميركية أصبحت تمسك بالمقود بصورة أكبر من العوامل التقليدية.
التاريخ يميل إلى تصحيحات أعمق بعد الصعود الكبير
بحسب المقال، تكشف تحركات الذهب خلال العقدين الماضيين، عن نمط واضح يتمثل في أن موجات الصعود القوية كانت غالبًا ما تتبعها تراجعات كبيرة، حتى إذا احتفظ المعدن بجزء من مكاسبه على المدى الطويل.
فقد ارتفع الذهب من 697.45 دولارًا للأوقية في أكتوبر 2008 إلى 1,884.40 دولارًا في سبتمبر 2011، قبل أن يتراجع 37% إلى 1,191.35 دولارًا بحلول أغسطس 2018.
وفي دورة لاحقة، صعد الذهب من ذلك القاع بنسبة 74% إلى 2,072.49 دولارًا في أغسطس 2020، ثم تراجع 22% إلى 1,620.20 دولارًا في سبتمبر 2022.
ويعزز هذا السجل التاريخي فكرة أن الارتفاعات الأكبر تميل إلى أن تعقبها تصحيحات أكبر، كما أن موجات الصعود تحدث عادة في وقت أقصر من فترات التراجع اللاحقة.
الصعود الأخير كان أقوى من الدورات السابقة
يوضح المقال، أن الذهب انطلق من قاع سبتمبر 2022 في موجة صعود حادة، أوصلته إلى مستوى قياسي بلغ 5,594.82 دولارًا للأوقية في 29 يناير 2026، بارتفاع قدره 245%.
ومنذ ذلك الحين، تراجع المعدن بنحو 20% فقط ليغلق عند 4,473.89 دولارًا.
ومن منظور تاريخي بحت، قد يبدو هذا التراجع محدودًا مقارنة بحجم الصعود السابق، ما يعني أن هناك احتمالًا لمزيد من الهبوط خلال الأشهر أو حتى السنوات المقبلة قبل استئناف الاتجاه الصاعد، لكن هذا الاحتمال يظل قائمًا فقط إذا كانت العوامل التي حركت الدورات السابقة لا تزال هي نفسها التي تقود السوق الآن.
يرى كلايد راسل في مقاله المنشور عبر رويترز، أن موجة الصعود الأخيرة لم تكن اعتيادية بالكامل، لأنها جاءت نتيجة تزامن عدة عوامل صعودية في الوقت نفسه، وهو أمر نادر نسبيًا في سوق الذهب.
ومن أبرز هذه العوامل زيادة مشتريات البنوك المركزية، وقوة الطلب الاستهلاكي في الصين والهند، إلى جانب تدفقات استثمارية مدفوعة بمخاوف التضخم والتوترات الجيوسياسية والقلق على مكانة الدولار.
لكن المقال يشير أيضًا، إلى أن بعض هذه المحركات بدأ يفقد جزءًا من زخمه في الأشهر الأخيرة، ما يفسر لماذا باتت السوق أكثر حساسية لعوامل أخرى، خصوصا أسعار النفط وتوقعات الفائدة الأميركية.
البنوك المركزية والطلب الاستهلاكي لم يعودا بالقوة نفسها
بحسب بيانات مجلس الذهب العالمي التي استعرضها المقال، اشترت البنوك المركزية 243.7 طنًا من الذهب في الربع الأول من العام الجاري، بزيادة 3% فقط مقارنة بالفترة نفسها من 2025.
ورغم استمرار الشراء، فإن وتيرته بدت أكثر استقرارًا وأقل من المستويات المرتفعة التي دعمت السوق بقوة بين منتصف 2022 ونهاية 2024.
وفي الوقت نفسه، تراجع الطلب على المجوهرات في الصين 31% إلى 85.2 طنًا خلال الربع الأول، بينما انخفض في الهند 19% إلى 66.1 طنًا.
وهبط الطلب العالمي على المجوهرات 25% إلى 260.2 طنًا، في إشارة إلى أن الأسعار المرتفعة بدأت تتحول إلى عامل كبح واضح للطلب الاستهلاكي.
ولم يقتصر التراجع على المشتريات الرسمية أو الاستهلاك، بل امتد أيضًا إلى صناديق الذهب المتداولة، إذ انخفضت التدفقات الداخلة إليها 73% على أساس سنوي في الربع الأول إلى 62 طنًا فقط.
وتراجع إجمالي الطلب العالمي على الذهب 9% إلى 1,195.9 طنًا مقارنة مع 1,315.6 طنًا قبل عام.
ورغم هذا الضعف في بعض المحركات التقليدية، ظل تراجع الذهب من قمة يناير أقل حدة مما توحي به المقارنات التاريخية، وهو ما يجعل السوق الحالية أكثر تعقيدًا في قراءتها.
النفط والفائدة أصبحا المحرك الأكبر
يوضح المقال، أن المشكلة الأساسية أمام مستثمري الذهب الآن، هي أن السعر لم يعد يتحرك فقط بدافع مشتريات البنوك المركزية أو الطلب الاستهلاكي، بل بات يرتبط بدرجة أكبر بتوقعات السياسة النقدية الأميركية، وهي توقعات تتأثر بدورها بأسعار النفط وتطورات حرب إيران.
فعندما ترتفع أسعار النفط بسبب الحرب، تتزايد المخاوف من التضخم، ما يدفع الأسواق إلى تقليص رهانات خفض الفائدة أو حتى التفكير في تشديد إضافي، وهو ما يضغط على الذهب لأنه أصل لا يدر عائدًا.
أما عندما تتراجع أسعار الخام بفعل آمال التهدئة، فإن الذهب يستعيد بعض الدعم مع عودة الرهانات على خفض الفائدة.