hamburger
userProfile
scrollTop

من المستشفيات إلى المخابز.. نقص الوقود يشل الحياة في غزة

بعض المخابز أوقفت تشغيل مولداتها (رويترز)
بعض المخابز أوقفت تشغيل مولداتها (رويترز)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • نقص الغاز وزيوت المحركات وقطع الغيار يدفع غزة نحو شلل أوسع في الخدمات الأساسية.
  • سعر لتر زيت المحرك قفز من نحو 25 شيكلًا قبل الحرب إلى حوالى 2,200 شيكل.
  • العائلات تلجأ إلى الحطب والبلاستيك ومخلفات قابلة للاشتعال للطهي بسبب نقص الغاز وارتفاع الأسعار.

تتحول أزمة الوقود وزيوت المحركات وقطع الغيار في غزة، إلى عامل شلل جديد يضرب ما تبقى من الخدمات الحيوية، بعدما امتد أثرها من النقل والمركبات إلى المستشفيات والمخابز وشبكات المياه، في وقت يواجه فيه السكان أصلًا نقصًا حادًا في الغذاء والدواء ومقومات الحياة الأساسية.

ويكشف هذا النقص، أن الأزمة في القطاع لم تعد مرتبطة فقط بندرة السلع الإنسانية المباشرة، بل وصلت إلى المواد التشغيلية التي تقوم عليها تفاصيل الحياة اليومية، من مولدات الكهرباء وسيارات الإسعاف إلى آبار المياه وأفران الخبز، ما يدفع غزة تدريجيًا نحو حالة توقف أوسع وأكثر خطورة.


كارثة صحية

حذر مستشفى شهداء الأقصى، وهو المستشفى الرئيسي في وسط غزة، من كارثة صحية وشيكة بعد تعطل المولدات الكهربائية التي يعتمد عليها في تشغيل أقسام حيوية، بينها غرف العمليات.

وقال مدير المستشفى الدكتور رائد حسين، إن المولد الصغير الذي كان يدعم تشغيل غرف الجراحة خلال ساعات الصباح توقف عن العمل، ما أدى إلى إغلاقها بسبب عدم كفاية القدرة الكهربائية المتاحة.

وأضاف أن أعمال الصيانة الجارية لم تعد تتجاوز حدود الحلول المؤقتة، لأن غزة تفتقر إلى المواد وقطع الغيار اللازمة للإصلاح الكامل، مشيرًا إلى أن بعض الإصلاحات تعتمد على تفكيك مولدات قديمة واستخدام أجزائها لإبقاء مولدات أخرى عاملة لفترة محدودة فقط.

ولا تقف الأزمة عند المستشفيات، إذ حذر جهاز الدفاع المدني في غزة من أن خدمات الإطفاء والإنقاذ باتت مهددة بالتوقف الكامل، مع اقتصار الاستجابة حاليًا على الحالات الأكثر خطورة.

ويعاني الجهاز من نقص حاد في قطع الغيار، خصوصا الخاصة بالمركبات، إلى جانب القيود على دخول معدات الإطفاء والإنقاذ والوقود وزيوت المحركات.

وأدى هذا الوضع بالفعل إلى تعطل 3 مركبات إطفاء وإنقاذ وسيارتي إسعاف، ما يضاعف كلفة أي تأخير في الوصول إلى المصابين أو مواقع الحرائق، ويجعل نقص زيت المحركات وقطع الغيار أزمة حياة أو موت لا مجرد مشكلة فنية هامشية.

مستويات غير مسبوقة

وتعكس الأسعار الحالية حجم الاختناق الذي يضرب السوق داخل غزة. فلتر زيت المحرك، الذي كان يباع قبل الحرب بنحو 25 شيكلًا، بات يصل إلى نحو 2,200 شيكل، رغم أن المعروض المتاح في أغلبه قديم أو منخفض الجودة.

وقفزت أسعار بعض قطع الغيار الصغيرة من بضعة شواكل فقط إلى مئات الشواكل، إذا كانت متاحة أصلًا.

ويقول الميكانيكي رفيق حمودة في منطقة المواصي بدير البلح، إن طبيعة العمل تغيرت بالكامل في الأشهر الأخيرة بسبب النقص الحاد في زيت المحركات وقطع الغيار، موضحًا أن هناك سيارات تم إصلاحها بالكامل لكنها بقيت خارج الخدمة فقط لعدم توافر الزيت اللازم لتشغيلها.

تفكيك المركبات

للتعامل مع هذا النقص، لم يعد أمام كثير من الورش سوى تفكيك مركبات كاملة لاستخدام أجزائها في إصلاح مركبات أخرى. ويقول حمودة إنهم فككوا نحو 6 سيارات كانت لا تزال في حالة تشغيلية مقبولة، واستخدموا محركاتها وعلب التروس ومكوناتها الأخرى لإنقاذ سيارات أخرى.

هذا الأسلوب يعكس حجم التراجع الذي أصاب منظومة النقل والصيانة في القطاع، حيث لم تعد السوق تعمل بمنطق الإصلاح الطبيعي، بل بمنطق الإبقاء على الحد الأدنى من الحركة عبر إعادة تدوير ما تبقى من أصول عاملة.

وأدى نقص الزيت وتعطل المركبات إلى تراجع حاد في وسائل النقل المتاحة داخل غزة، مع توقف عدد كبير من السيارات عن العمل أو تركها بالقرب من المنازل والخيام بعدما عجز أصحابها عن تشغيلها أو صيانتها.

وزاد من تعقيد الأزمة نفوق عدد كبير من الحيوانات التي كانت تستخدم في النقل، بسبب الحرب والمجاعة.

وتقول هبة قهمان، وهي أم نازحة من 5 أطفال تقيم في دير البلح، إن أزمة النقل أثرت بشدة على حياتها، خصوصا بعد إصابة زوجها في حادث واحتياجه إلى متابعة طبية منتظمة.

وأوضحت أنها تضطر أحيانًا إلى دفعه على كرسي متحرك لمسافة طويلة نحو المستشفى وهي تحمل طفلها، في رحلة قد تستغرق قرابة ساعة كاملة.

المياه تدخل دائرة الخطر

بحسب تقرير حديث لليونيسف، تأثر قطاع المياه والصرف الصحي في غزة أيضًا بنقص قطع الغيار وزيوت المحركات.

وأشار التقرير، إلى أن أنظمة المياه الأساسية لا تزال تعمل تحت ضغط شديد بسبب القيود على الطاقة والمواد الكيميائية وقطع الغيار، بينما تراجع إنتاج محطات تحلية مياه البحر إلى نحو 16 ألف متر مكعب يوميًا، مقارنة بنحو 20 ألف متر مكعب في مارس.

ويؤدي هذا التراجع إلى تفاقم الأعباء الصحية والمعيشية، خصوصا مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الحاجة إلى الاستحمام والحفاظ على النظافة الشخصية، ولا سيما بين الأطفال.

يمتد أثر الأزمة، إلى المخابز والمولدات التي تزود المنشآت بالكهرباء عبر الاشتراكات الشهرية.

وقال رئيس جمعية أصحاب المخابز في غزة عبد الناصر العجرمي، إن بعض المخابز أوقفت تشغيل مولداتها، بينما خفضت أخرى الإنتاج بعد عجزها عن توفير الزيت اللازم لتشغيل المولدات.

وأضاف أن بعض المخابز التي كانت تنتج المعجنات والخبز الفاخر ومنتجات أخرى أوقفت هذه الأصناف بالكامل، محذرًا من أن أي توقف إضافي في المخابز سيعني صعوبة أكبر في حصول العائلات على الخبز، في وقت يعاني فيه السكان أصلًا من نقص الغاز وندرة الحطب وارتفاع أسعاره.

العائلات تبحث عن بدائل قاسية

مع استمرار القيود على واردات الوقود منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023، اضطرت عائلات كثيرة إلى الاعتماد على الحطب للطهي، لكن أسعاره ارتفعت بشدة، ما دفع عددًا متزايدًا من الأسر إلى حرق البلاستيك والنايلون ومخلفات أخرى قابلة للاشتعال لتأمين الحد الأدنى من الطهي اليومي.

وتقول هبة قهمان، إن أزمة الغاز من أقسى الأزمات التي واجهتها الأسرة خلال الشهور الماضية، موضحة أن الاعتماد على النار المكشوفة في الطهي أصبح مرهقًا للغاية في ظل نقص المياه وقسوة الظروف المعيشية، بينما باتت الأسرة تبحث باستمرار عن أي مواد يمكن استخدامها بدلًا من الحطب.

تكشف هذه التطورات أن غزة لا تواجه فقط أزمة إمدادات إنسانية تقليدية، بل انهيارًا تدريجيًا في المواد الصغيرة التي تحفظ دوران الحياة اليومية نفسها.

فحين يختفي زيت المحركات وقطع الغيار والغاز، تتعطل المستشفيات والإسعاف والمخابز والمياه والنقل في وقت واحد.