تعود ديون الأسواق الناشئة إلى واجهة اهتمام المستثمرين الباحثين عن عوائد أعلى وتنويع أوسع داخل المحافظ، في وقت تدفع فيه تقلبات الأسواق العالمية كثيرين إلى إعادة النظر في بدائل الدخل الثابت خارج الولايات المتحدة، لكن هذا التوجه، رغم جاذبيته، يبقى محاطا بمخاطر أعلى تتطلب انتقاء دقيقا وانضباطا في حجم الانكشاف.
وبحسب بيانات نقلتها CNBC عن "بلاك روك" و"ماركيت"، استقطبت المنتجات المتداولة المرتبطة بديون الأسواق الناشئة تدفقات بلغت 152 مليار دولار خلال 2025، مقابل 103 مليارات دولار فقط للمنتجات المرتبطة بأسهم الأسواق الناشئة.
بلاك روك تراهن على السندات الأعلى جودة
قال مدير المحافظ في فريق التخصيص التكتيكي العالمي للأصول لدى "بلاك روك" توم بيكر، إن الشركة تتجه إلى السندات الأعلى جودة في الأسواق الناشئة، وتركز على الدول التي لا تواجه حاليا مخاطر تضخم مرتفعة.
وأضاف أن أدوات الدخل الثابت الأميركية تمثل فقط نصف سوق الدخل الثابت العالمي، ما يعني وجود فرص أخرى واسعة خارج الولايات المتحدة، خصوصا عند التحوط من مخاطر العملة.
وفي تقرير صدر في فبراير، أشارت "بلاك روك" إلى أنها تمنح وزنا أكبر لديون الأسواق الناشئة المقومة بالعملات الصعبة.
وتظهر الأرقام أن العوائد المرتفعة في ديون الأسواق الناشئة ساعدت على دعم الأداء، إذ حقق مؤشر "مورنينغ ستار" المركب لسندات الأسواق الناشئة عائدا إجماليا يقترب من 9% خلال آخر 12 شهرا، مقابل نحو 5.8% لمؤشر "مورنينغ ستار" الأساسي للسندات الأميركية.
لكن هذه العوائد الأعلى لا تعني أن الطريق خال من المخاطر، إذ إن الجاذبية الأكبر في العائد ترتبط عادة بمستويات أعلى من التقلب ومخاطر البلد ومخاطر العملة.
ما الذي يدعم الزخم الحالي؟
يرى مديرو المحافظ والمحللون، أن هناك عدة عوامل تدعم الاهتمام المتزايد بديون الأسواق الناشئة، أول هذه العوامل هو ضعف الدولار الأميركي، إذ تراجع مؤشر الدولار بنحو 7% خلال العام الماضي، ونظرا لأن كثيرا من السندات السيادية وسندات الشركات في الأسواق الناشئة تصدر بالدولار، فإن تراجع العملة الأميركية يخفف تكلفة خدمة هذا الدين.
العامل الثاني يتمثل في تحسن صورة النمو العالمي خارج الولايات المتحدة، وقال رئيس ديون الأسواق الناشئة في "ألاينس برنستاين" كريستيان ديكلمنتي، إن الفجوة في النمو بين الاقتصاد الأميركي وبقية العالم لم تعد بالاتساع نفسه الذي كانت عليه سابقا، ما يوفر صورة أكثر توازنا للنمو العالمي.
أما العامل الثالث، فهو أن ديون الأسواق الناشئة ما زالت تقدم عوائد جذابة مقارنة بعدد من أدوات الدخل الثابت الأعلى جودة، خصوصا مع ارتفاع تكلفة كثير من قطاعات السندات في السوق الأميركية.
عائد أعلى لكن المخاطر أوضح
تشير البيانات إلى أن صندوق "فانغارد" لسندات حكومات الأسواق الناشئة سجل عائدا لمدة 30 يوما عند 5.58%، بينما بلغ العائد في صندوق "آي شيرز جيه بي مورغان" لسندات الأسواق الناشئة المقومة بالدولار 5.43%.
لكن هذه العوائد تعكس أيضا حجم المخاطرة الإضافية التي يتحملها المستثمر، وقال كبير مديري المحافظ في "إم إيه آي كابيتال مانجمنت" نيك سيرماغ، إن الأسواق الناشئة قد تضيف مخاطر العملة والتقلبات والمخاطر الخاصة بكل دولة، وهي عوامل قد لا تتماشى مع طبيعة المستثمر المحافظ في الدخل الثابت.
وأضاف أن شركته تتبنى نهجا حذرا مع هذه الفئة، مع وزن إستراتيجي يبلغ نحو 2.5% فقط داخل استثمارات الدخل الثابت، مشددا على أن هذه الأداة يمكن أن تلعب دورا داخل المحافظ، لكن بشرط الانتقاء المنضبط وتحديد الحجم المناسب للمراكز.
آسيا وأميركا اللاتينية تحت المجهر
لفتت "بلاك روك" إلى الصين وكوريا والهند باعتبارها من الأسواق التي جذبت اهتمامها، مع تركيز على عدد من الأسواق الآسيوية الناشئة التي تبدو فيها مخاطر التضخم أقل والمخاطر المالية أكثر احتواء.
ومن جانبه، أشار ديكلمنتي إلى ما وصفه بـ"نوع جديد من الأسواق الناشئة في آسيا"، حيث قد تصبح بعض الشركات مستفيدة من تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي. وقال إن كوريا تأتي في مقدمة الدول التي تستحق المتابعة ضمن هذا التصور.
كما أبدى اهتماما بأميركا اللاتينية، خصوصا بيرو وكولومبيا والبرازيل، في ظل انتخابات مهمة وتغيرات سياسية قد تدعم، من وجهة نظره، سياسات أكثر انضباطا على مستوى الاقتصاد الكلي.
ينصح خبراء الاستثمار من يرغبون في تعزيز العائد أو الدخل عبر ديون الأسواق الناشئة بالتأكد أولا من أن حجم الانكشاف يتماشى مع أهدافهم الاستثمارية وقدرتهم على تحمل المخاطر.
وقال كبير استراتيجيي السوق في "أوسايك" فيل بلانكاتو، إن شركته تحتفظ بانكشاف على ديون الأسواق الناشئة في محافظ الدخل المرتفع، لكنها لا تضع أي وزن لها في محفظة 60/40 التقليدية، مشيرا إلى أن هذه الفئة لا تناسب هذا النوع من المحافظ، في ظل استمرار وجود فرص عائد جاذبة داخل السوق الأميركية.