hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 الذهب عبر التاريخ.. لماذا يزداد لمعاناً وقيمة في الأزمات؟

الأزمات الاقتصادية لا تؤثر على الذهب وحده بل تمتد لتشمل النفط والمعادن الأخرى (رويترز)
الأزمات الاقتصادية لا تؤثر على الذهب وحده بل تمتد لتشمل النفط والمعادن الأخرى (رويترز)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • خبير اقتصادي: الذهب يوفر حماية فعّالة من تقلبات التضخم.
  • خبيرة بالاقتصاد الدولي: الذهب يعتبر عنصرا محوريا في موازين النفوذ الاقتصادي العالمي.
  • الذهب يعرف كملاذ آمن في أوقات التقلبات الاقتصادية والسياسية ويفضل الناس ادخاره كاستثمار طويل الأجل. 

يعرف الذهب كملاذ آمن في أوقات التقلبات الاقتصادية والسياسية، ويفضل الناس ادخاره كاستثمار طويل الأجل وتحوط ضد حالة عدم اليقين الاقتصادي.

وعلى الرغم من أن سعره قد يكون متقلباً على المدى القصير، إلا أن المعدن النفيس له تاريخ طويل في الحفاظ على قيمته، حيث ينظر إليه كوسيلة للحفاظ على الثروة خلال الأوقات التي تتآكل فيها القوة الشرائية للعملة الورقية بسبب التضخم.

وغالبا ما يكون لحركات سعر الذهب ارتباط منخفض أو عكسي مع الأصول التقليدية مثل الأسهم والسندات، بمعنى، أنه عندما ينخفض سوق الأوراق المالية، قد يكون أداء الذهب جيدا والعكس صحيح.

وعلى عكس السهم أو السند، وهما أصلان ورقيان، فإن الذهب المادي هو سلعة ملموسة. يمكنك أن تمسكه بيدك، وقيمته معترف بها عالمياً، مما يوفّر شعوراً بالأمان والملكية المباشرة المستقلة عن أي مؤسسة مالية أو حكومة. 

هل يواصل سعر أونصة الذهب كسر الأرقام القياسية؟

مع كل دورة اقتصادية تشهد الولايات المتحدة فيها خفضًا لأسعار الفائدة، تزداد جاذبية المعدن النفيس، إذ يسعى المستثمرون إلى الأصول التي تحافظ على قيمتها في ظل ضعف العوائد على السندات والدولار. وقد أثبتت التجارب السابقة أن فترات التيسير النقدي غالباً ما تقترن بموجات صعود قوية للذهب.

واليوم، يسجل الذهب مستويات قياسية غير مسبوقة، حيث قفزت أسعاره في التعاملات الفورية إلى 3,700 دولار للأونصة، بينما ارتفعت العقود الآجلة لشهر ديسمبر إلى 3,731.70 دولارا، في سابقة تاريخية تعكس حجم الإقبال الاستثماري على المعدن الأصفر.

ويأتي هذا الارتفاع في سياق تزايد الضغوط التضخمية وتنامي التوقعات بتوّجه سياسات الفيدرالي الأميركي لخفض الفائدة ما يفتح الباب أمام تعزيز جاذبية الذهب كأداة للتحوط.

يرتبط سعر الذهب بشكل وثيق بسعر الدولار الأميركي وسياسات الفائدة الأميركية، وقد أظهرت التجارب السابقة، من أزمات الثمانينيات إلى أزمة 2008 وحتى جائحة كورونا، أن فترات التيسير النقدي غالباً ما ترافقها موجات صعود قوية في أسعار الذهب.

يقول الخبير الاقتصادي كريم العمدة في حديث إلى منصة "المشهد" إن "أسعار الذهب شهدت منذ عام 2022 ارتفاعات غير مسبوقة، حيث تجاوزت الزيادة 100% خلال 3 سنوات فقط. فبعد أن كان سعر الأونصة يتراوح بين 1700 و1800 دولار في بداية الفترة، وصل اليوم إلى نحو 3500 دولار، وهو ما يعكس قفزة تاريخية في قيمته".

وبحسب العمدة، في النظريات الاقتصادية التقليدية، يرتبط سعر الذهب ارتباطًا عكسيًا بسعر الفائدة والدولار الأميركي:

  • عند ارتفاع الفائدة، يتجه المستثمرون عادةً إلى شراء الدولار وسندات الخزانة للاستفادة من العوائد.
  • وعند انخفاضها، يعمدون إلى بيع الدولار والسندات واللجوء إلى الذهب كملاذ آمن.

غير أن السنوات الأخيرة أظهرت متغيرات جديدة قلبت هذه المعادلة، إذ أصبح للتطورات الجيوسياسية أثرًا أقوى من تأثير أسعار الفائدة. فقد ساهمت النزاعات الدولية مثل الحرب بين إيران وإسرائيل، إلى جانب القرارات المرتبطة بالسياسة التجارية الأميركية، في إضعاف الثقة بالدولار وتراجع الإقبال عليه. كما أن السياسات الاقتصادية السابقة، ولا سيما خلال إدارة ترامب، كان لها دور بارز في إضعاف قوة الدولار، ما عزز مكانة الذهب كخيار استثماري مفضل، وفقًا للعمدة.

من جهتها، تشرح خبيرة الاقتصاد الدولي د. سمر عادل لـ"المشهد" أنه "عندما يبدأ العائد على السندات في الانخفاض، يتراجع الإقبال على الاستثمار فيها، وهنا يتجه المستثمرون بطبيعة الحال إلى الأصول الأكثر أمانًا، وفي مقدمتها الذهب. عادة ما يرتبط خفض سعر الفائدة بسياسات تيسير نقدي أو بتوقعات تشير إلى انتهاج هذا المسار، الأمر الذي يزيد من السيولة داخل النظام المالي، وبالتالي ترتفع أسعار الأصول ذات القيمة مثل الذهب الذي يمثل أداة تحوط أساسية".

وتضيف عادل "يظل التضخم عاملًا محوريًا في هذه المعادلة، فقيام الاحتياطي الفيدرالي بخفض الفائدة غالبًا ما يكون استجابة لضغوط اقتصادية أو توقعات بتغير في معدلات التضخم. في هذه الحالة يرى المستثمرون أن الذهب يوفر حماية فعّالة من تقلبات التضخم.على المدى المتوسط، تشير التوقعات إلى احتمال ارتفاع معدلات التضخم في الولايات المتحدة الأميركية نتيجة الحرب التجارية مع الصين، وهو ما يعزز بدوره من أهمية الذهب كوسيلة للتحوط، ويدفع أسعاره إلى مزيد من الارتفاع".

تأثيرات تتجاوز الذهب

لا تؤثر الأزمات الاقتصادية على الذهب وحده، بل تمتد لتشمل النفط والمعادن الأخرى. فمثلاً، في الأزمة المالية عام 2008، قفز سعر النفط إلى أكثر من 140 دولاراً للبرميل قبل أن ينهار بسبب الركود العالمي. كذلك ارتفعت أسعار النحاس وغيره من المعادن المهمة مع دخول الصين في برامج تحفيز اقتصادي ضخمة.

واليوم نرى وضعاً مشابهاً، حيث تدفع التوترات السياسية والحروب أسعار الذهب للارتفاع، لكنها أيضاً ترفع أسعار النفط والمعادن الإستراتيجية مثل الفضة والنحاس والليثيوم، وهذا يوضح أن أي اضطراب عالمي يترك أثره على مجموعة واسعة من السلع، ويكشف مدى ترابط الأسواق وضعفها أمام الأزمات.

ويؤيد ذلك العمدة بقوله "لم يقتصر هذا التأثير على الذهب وحده، بل امتد ليشمل النفط، النحاس، والمعادن الأخرى المرتبطة بالطاقة، والتي شهدت بدورها زيادات ملحوظة في أسعارها".

الاستثمار في الذهب وموازين النفوذ الاقتصادي العالمي

يعتبر الذهب عنصرًا محوريًا في موازين النفوذ الاقتصادي العالمي، حيث يمثل مخزناً آمنا للقيمة ويمنح الدول وسيلة للتحوط ضد تقلبات العملات والأزمات المالية.

ومع تزايد التوترات الجيوسياسية وتراجع الثقة بالدولار، تتجه العديد من البنوك المركزية، خصوصًا في الاقتصادات الناشئة، إلى تعزيز احتياطياتها من الذهب بهدف تنويع أصولها وتقليل الاعتماد على الدولار.

تشرح الخبيرة الاقتصادية عادل العلاقة العكسية بين تراجع قيمة الدولار وارتفاع قيمة الذهب قائلة "يلعب ضعف الدولار دوراً مهماً وأساسيا في أسعار الذهب. فعندما تنخفض قيمة العملة الأميركية، يصبح شراء الذهب أقل تكلفة لحاملي العملات الأخرى، مما يزيد الطلب عليه".

وتضيف عادل "كما أن انخفاض الدولار غالباً ما يصاحب تراجع العوائد الحقيقية على السندات والأدوات النقدية، وهو عامل مهم يعزز جاذبية الذهب كاستثمار. أي العوائد الحقيقية تعد المحرك الأساسي للاستثمار في الذهب، حيث يؤدي تراجعها إلى ارتفاع الأسعار، بينما قوة الدولار عادة ما تحد من هذا الارتفاع".

وتشير عادل إلى أن "أحد العوامل الرئيسية وراء ارتفاع أسعار الذهب يرتبط بتشابك الأحداث السياسية والاقتصادية على المستويين الإقليمي والعالمي، بما في ذلك التوترات الجيوسياسية، الحروب التجارية والاقتصادية، وعدم اليقين في استقرار النظام المالي العالمي".

وتستشهد عادل على ذلك بالقول إن "مخاطر الصين مثلا دفعت إلى تكثيف مشترياتها من الذهب بشكل كبير، كجزء من إستراتيجيتها لتنويع احتياطياتها وتقليل اعتمادها على الدولار، إضافة إلى تعزيز مكانة عملتها، اليوان، على الصعيد العالمي. وبذلك، لا تقتصر دوافع ارتفاع الذهب على السياسة النقدية وفوائد الاحتفاظ بالمعادن الثمينة، بل تشمل أيضاً جهود البنوك المركزية الكبرى لإعادة تشكيل موازين القوة المالية العالمية".

وترى عادل أنه "في ظل هذه العوامل مجتمعة، يبرز الذهب كملاذ آمن للمستثمرين يسهم في حماية قيمة الأموال وتقليل المخاطر الناتجة عن تقلبات الأسواق العالمية".

وبهذا لم يعد الذهب مجرد سلعة تتداول في الأسواق، بل بات مرآة تعكس أزمات العالم وصراعاته وتوجهاته الاقتصادية. من ضغوط التضخم إلى سياسات الفيدرالي، ومن حروب العملات إلى نزاعات الجغرافيا السياسية، يواصل المعدن الأصفر تأكيد حضوره محافظًا على بريقه مهما تبدلت الظروف.