hamburger
userProfile
scrollTop

دولة تستبدل النقود بالحصص الغذائية وسط انهيار العملة

الذرة الرفيعة والحبوب وزبدة الفول السوداني أكثر قدرة على حفظ القيمة (رويترز)
الذرة الرفيعة والحبوب وزبدة الفول السوداني أكثر قدرة على حفظ القيمة (رويترز)
verticalLine
fontSize

في أسواق مخيمات اللاجئين بجنوب السودان، لم تعد الحصص الغذائية مجرد وسيلة للبقاء، بل تحولت إلى بديل فعلي للنقود، بعدما دفع انهيار الاقتصاد وتراجع الثقة في العملة المحلية آلاف النازحين إلى بيع جزء من مساعداتهم لتغطية احتياجات أساسية مثل الدواء والتعليم.

وتعرض أكشاك سوق مخيم بازيا حزمًا غذائية تحمل ختم "غير مخصصة للبيع"، في مشهد يعكس حجم الأزمة التي يعيشها مئات الآلاف من النازحين، إذ أصبحت الذرة الرفيعة والحبوب وزبدة الفول السوداني أكثر قدرة على حفظ القيمة من الجنيه الجنوب سوداني.

الغذاء يتحول إلى وسيلة دفع

تقسم جوزفين ماثيو كيس الذرة الرفيعة البالغ وزنه 10 كيلوغرامات إلى جزأين، جزء صغير لإطعام أطفالها الـ3، وجزء أكبر تبيعه في السوق لتوفير أدوية الملاريا ودفع الرسوم المدرسية.

وتقول ماثيو، إنها لم تعد تملك أرضًا تزرعها أو ماشية تعتمد عليها، بعدما اضطرت إلى مغادرة مزرعتها في سبتمبر الماضي، بسبب المعارك بين القوات الحكومية وقوات المعارضة في ولاية الاستوائية الغربية.

الجنيه يفقد قيمته أمام الحبوب

يعد جنوب السودان من أفقر دول العالم، فيما يصف البنك الدولي الجنيه الجنوب سوداني بأنه أضعف عملة في إفريقيا، بعدما اقترب التضخم من 100% خلال العام الماضي.

ومع تراجع الثقة في العملة، باتت الأسر تنظر إلى المساعدات الغذائية باعتبارها أصلًا أكثر استقرارًا من النقود، إذ تقول ماثيو إن المال يتبخر سريعًا، بينما تحتفظ الحبوب بقيمتها داخل السوق.

ويرى الخبير الاقتصادي المقيم في جوبا إدوارد كورنيليو، أن السوق لم تعد تثق بالدولة أو مؤسساتها النقدية، ما يدفع المجتمع إلى ابتكار أدواته الخاصة للصمود.

ويؤكد ممثل في شبكة خبراء المساعدات النقدية الإنسانية "كالب"، أن المستفيدين يلجؤون إلى بيع ما يحصلون عليه من مساعدات عينية عندما لا تغطي هذه المساعدات احتياجاتهم الأكثر إلحاحًا أو لا تشمل كل جوانب حياتهم اليومية.

يمتلك جنوب السودان احتياطات نفطية كبيرة، غير أن موارده المالية تعرضت لنهب ممنهج على يد النخب، وفق تقرير حديث للأمم المتحدة.

وأشار التقرير، إلى أن الوحدة الطبية الشخصية للرئيس سلفا كير حصلت على تمويل يفوق ما خُصص للنظام الصحي الوطني بأكمله، رغم أن هذا النظام يفترض أن يخدم نحو 12 مليون نسمة.

إغلاق يو إس إيد يعمق الجوع

تفاقمت الأزمة الإنسانية بعدما أمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب العام الماضي بإغلاق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية "يو إس إيد"، ما أفقد جنوب السودان جزءًا كبيرًا من الدعم الإنساني.

ويواجه نحو ثلثي سكان البلاد، أي قرابة 7.9 ملايين شخص، جوعًا حادًا، في وقت لا تصل فيه الحصص الغذائية إلى بعض العائلات إلا مرة كل شهرين، حتى في المناطق الأكثر أمانًا نسبيًا حول بازيا.

تقول المتطوعة في برنامج طبي كنسي تدعمه جمعية "ماري هيلب" آن توماس، إن الحكومة تتحدث عن الدعم لكنها لا تقدمه فعليًا.

وتزيد ندرة الحصص الغذائية من قيمتها داخل الأسواق، لأن الحصول عليها لم يعد مضمونًا، ولأنها تحولت إلى وسيلة عملية لتغطية نفقات لا تستطيع الأسر دفعها نقدًا.

من يملك الحبوب يملك القوة

في سوق كونيو كونيو بالعاصمة جوبا، يقول التاجر الشاب غاي كويرينغ، إن دقيق الذرة وزبدة الفول السوداني يكفيان لفترة طويلة ويقاومان الظروف الاقتصادية.

ويحصل كويرينغ على بضاعته من ابن عمه في ولاية جونقلي، وهي منطقة شهدت اشتباكات حديثة بين القوات الحكومية وقوات المعارضة، مؤكدًا أن من يملك الذرة والحبوب يملك القوة في اقتصاد فقدت فيه النقود قيمتها اليومية.

تكشف أسواق المساعدات الغذائية في جنوب السودان عن أزمة تتجاوز الجوع، إذ تعكس انهيار الثقة في العملة، وضعف مؤسسات الدولة، وتراجع قدرة الأسر على الوصول إلى التعليم والدواء والغذاء دون بيع ما تحصل عليه من مساعدات.