خلال الأسبوع الجاري مر علينا مرور الكرام خبر عن صعود عوائد السندات الأميركية لأعلى مستوى في أكثر 24 عاما تقريبا، ورغم أنه خبر اقتصادي "بحت" قد لا يهتم به عدد كبير من المواطنين، إلا أن له أبعادا سلبية على "جيبك" وميزانيتك، كما أنه يطال جميع دول العالم.
وهنا تقول، كيف لعائد السندات أن يكون مؤثرا على دول العالم، فلم يكن الأمر مرتبطا فقط بالولايات المتحدة الأميركية، وهنا الإجابة الصادمة، حيث تؤثر عوائد السندات المرتفعة على اقتراض الدول، كما تحمل العوائد المرتفعة دلالات اقتصادية متعددة سنتعرف عليها في السطور الآتية.
يعكس صعود عوائد السندات الأميركية اجتماع 3 ضغوط قوية، أولها تضخم مدفوع بالطاقة المرتفعة، وفائدة أميركية أعلى، وعرض كبير من الديون الحكومية والمؤسسية، بحسب الدكتور أيمن حسن الخبير المصرفي، والذي يرى أن مسار عوائد السندات الحكومية الأميركية مرتبط بأسعار النفط وقرارات الفيدرالي وحجم الاقتراض الحكومي.
وأضاف لـ"المشهد"، أن الصعود المبالغ فيه بأعلى وتيرة منذ أكثر من عقدين يحمل تحذيرا من كلفة الاقتراض وعبء الدين العالمي وليس الأميركي فقط والذي يقترب من 40 ترليون دولار.
هل الديون الأميركية سبب؟
وأشار إلى أن الديون سبب جزئي، وليست السبب الوحيد في قفزة عوائد السندات، فقد بلغ الدين الأميركي نحو 40 تريليون دولار، وسجّل العجز نحو 1.4 تريليون دولار في 9 أشهر من السنة المالية، والعائد المرتفع كلف الحكومة في أميركا نحو 857 مليار دولار فوائد صافية في 9 أشهر، أي نحو 24 مليار دولار أسبوعيا، وهذا يزيد حاجتها إلى الاقتراض.
وبالسؤال عن تأثير العوائد المرتفعة على المواطنين، يقول الخبير المصرفي، إن الارتفاع في عوائد السندات الأميركية يتسبب في صعود الفائدة على الرهن العقاري، وبلغ متوسط الفائدة على الرهن لمدة 30 عاماً نحو 7.4%، مقابل 6.3% قبل عام، وهذا يرفع القسط الشهري، ويضغط على مبيعات المنازل الأميركية.
وأضاف أن القروض والبطاقات تتأثر حيث ترتفع كلفة قروض السيارات والاستهلاك وبطاقات الائتمان، لكن في المقابل يستفيد المدخرون من ارتفاع عوائد الودائع وحسابات الادخار، كما تتأثر صناديق التقاعد المرتبطة بالأسهم إذا تراجعت الأسواق.
وعن تأثر الدول الأخرى من صعود العوائد على السندات الأميركية، يقول د. أيمن حسن، "بالطبع الجميع يتأثر؛ لأن هذا الصعود يسحب السيولة من الأسواق، ويؤدي إلى زيادة تكاليف الاقتراض على الأسواق خصوصا الأسواق الناشئة، فالفوائد المرتفعة تثقل كاهل الدول التي تسعى لتدبير القروض، وهذا يعني مزيدا من الضعف في العملات المحلية ويقلل القدرات الشرائية للمستهلكين مع مرور الوقت.
السندات العالمية
وقال خبير التمويل والاستثمار باهر عبد العزيز، "لم يقتصر البيع في سوق السندات على أميركا فقط، إذ ارتفع عائد السند الفرنسي لأجل 10 سنوات 12 نقطة أساس، والبريطاني 7 نقاط، ما يدل على ضغط عالمي، من الطاقة المرتفعة للغاية والمخاوف من الديون، وهذا يجعل المستثمرين يطلبون عوائد أعلى خصوصا ذات الآجال 10 سنوات".
وأوضح أن هذه التطورات جاءت نتيجة للأسباب الآتية:
- أولاً: التضخم المدفوع بالطاقة المتماسكة فوق 100 دولار، وتُعدّ أسعار الطاقة المرتفعة من أبرز الأسباب، في ظل التوترات والحروب في إيران وأوكرانيا.
- ثانياً، رفع الفائدة، رفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة في 16 سبتمبر، بينما بلغ التضخم 3.4% في أغسطس، أي أعلى بكثير من هدف 2%، وتشير محاضر اجتماعاته إلى توقع مزيد من الرفع دون تحديد موعده.
- ثالثاً، كثرة المعروض من السندات، إذ تقترض الحكومة لتمويل عجز كبير، وتقترض الشركات الكبرى بكثافة لتمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي، وعندما يزيد المعروض يطلب المستثمرون عائداً أعلى.
تحذير من الأسواق
تجاوز عائد سند الخزانة الأميركي لأجل 10 سنوات حاجز 5.3% للمرة الأولى منذ 24 عاماً، وبلغ ذروته قرب 5.36%، وهو الأعلى منذ 2002، وصعد عائد سند 30 عاماً إلى نحو 5.73%، ويمثل ذلك إشارة تحذير للأسواق والمقترضين، لكنه لا يعني أزمة وشيكة.
و تتباين توقعات المؤسسات بشأن مستقبل السندات الأميركية، حيث يتوقع "بنك أوف أميركا" نزول العائد إلى 5% بنهاية العام، ويتوقع "غولدمان ساكس" نزوله إلى 4.75%، بينما رفع "باركليز" توقعه للربع الثالث من العام المقبل إلى 5.25%.
وشدد "عبد العزيز"، أن مناخ الفوائد المرتفعة سلبي على الأسواق وعلى التوظيف، لأن ارتفاع تكاليف الاقتراض يؤخر قرارات الشركات والمصانع نحو الاستثمار أو التوسع ويؤثر على الدورة الاقتصادية، ولكون السوق الأميركي هو أكبر سوق للدين في العالم، فإن الفوائد المرتفعة هناك تطال جميع دول العالم.
وأشار إلى أن المناخ الحالي يكون سلبيا في أسواق الأسهم والذهب والمعادن نتيجة اتجاه الجزء الأكبر من السيولة نحو الفوائد المرتفعة، خصوصا أن المحضر الأخير للفيدرالي الأميركي كشف نية قادة الفيدرالي عن رفع آخر للفائدة قبل نهاية 2026.



