يواجه حلف شمال الأطلسي تهديدًا متصاعدًا لا يأتي من جبهة عسكرية تقليدية، بل من موجات الحر الشديد التي باتت تضغط على الجيوش والبنية التحتية والمجتمعات التي تعمل داخلها هذه الجيوش.
وترى مديرة مركز المناخ والأمن في مجلس المخاطر الاستراتيجية إيرين سيكورسكي، في تحليل نشرته مجلة "فورين بوليسي"، أن على قادة الناتو إدراج التكيف مع الطقس المتطرف ضمن خطط الإنفاق الدفاعي، مع حماية أنظمة الغذاء والمياه والنقل والطاقة والصحة في الدول الأعضاء.
أوروبا تختبر حرارة غير مسبوقة
يعقد قادة الناتو اجتماعاتهم في أنقرة هذا الأسبوع، بينما يتركز النقاش الرئيسي على تنفيذ تعهدات 2025 بزيادة الإنفاق الدفاعي داخل الحلف.
لكن موجات الحر القياسية التي ضربت أوروبا الشهر الماضي، كشفت أن الأراضي التي يدافع عنها الناتو أصبحت أكثر صعوبة وتعقيدًا.
فالاستعداد العسكري لم يعد مرتبطًا بالسلاح والذخيرة والقواعد فقط، بل بات يحتاج أيضًا إلى بنية تحتية ومجتمعات قادرة على الصمود أمام الطقس المتطرف.
شهدت أوروبا موجة حر شديدة، ولم يكن الجنود بعيدين عن آثارها.
وسجلت فرنسا أعلى درجة حرارة في تاريخها عند 44.3 درجة مئوية، بينما لقي 40 شخصًا على الأقل حتفهم غرقًا أثناء محاولتهم الهروب من الحر.
وتسببت درجات الحرارة المرتفعة في إغلاق قطارات ومحطات طاقة نووية، فيما سجلت إسبانيا وإيطاليا وألمانيا والمملكة المتحدة درجات قياسية لشهر يونيو.
وفيات الحرارة تتجاوز أثر الإرهاب
قدرت منظمة الصحة العالمية، حتى 28 يونيو، تسجيل أكثر من 1,300 وفاة زائدة في أوروبا منذ 21 يونيو، من بينها نحو 1,000 وفاة في فرنسا وحدها.
وتوقعت السلطات أن ترتفع هذه الأرقام مع استكمال بيانات الوفيات خلال الأسابيع التالية.
وفي صيف 2022، تسببت موجات الحر في وفاة نحو 62 ألف شخص في أوروبا، مقارنة بنحو 6,700 وفاة عالميًا بسبب الهجمات الإرهابية خلال العام نفسه.
تلفت الكاتبة، إلى أن الحرارة الشديدة تؤثر مباشرة في القوات المسلحة، سواء عبر إصابات الإجهاد الحراري أو تراجع القدرة على تنفيذ الأنشطة البدنية.
وتوصي إرشادات وزارة الدفاع البريطانية للوقاية من أمراض الحرارة، القادة بإعادة النظر في الأنشطة الشاقة عندما تصدر هيئة الأرصاد تحذيرًا أحمر من الحر.
كما يمكن للطقس المتطرف أن يؤثر في أسر الجنود ومنازلهم عبر الإجلاء أو إغلاق المدارس أو تلف الممتلكات، وهو ما ينعكس على الروح المعنوية والتركيز العملياتي.
البنية التحتية العسكرية تحت الضغط
لا يقتصر أثر الحرارة على البشر، إذ تضرب البنية التحتية التي تعتمد عليها الجيوش.
فالحرارة قد تشوه المدارج، وتذيب الأسطح، وتثني قضبان السكك الحديدية، وتجعل أعمال الإصلاح أكثر صعوبة وإرهاقًا.
وفي عام 2022، اضطرت القوات الجوية الملكية البريطانية إلى تحويل طائرات إلى مدارج أخرى بعدما تأثر سطح أحد المدارج في قاعدة بريز نورتون بالحرارة.
تؤثر الحرارة كذلك في أداء الطائرات، لأن الهواء الساخن أقل كثافة، ما يقلل قدرة الطائرات على حمل الأوزان، ويزيد مسافة الإقلاع، ويضعف القدرة على الصعود.
ويظهر هذا الأثر بوضوح أكبر على المروحيات، التي تعد عنصرًا أساسيًا في العمليات العسكرية الانتشارية.
ونقل التحليل عن مستشار المناخ في الجيش الفرنسي باستيان أليكس أن درجات الحرارة فوق 45 درجة مئوية قد تجبر الجيوش على إعادة النظر في استخدام المروحيات داخل مسارح العمليات شديدة الحرارة.
في درجات الحرارة المرتفعة، قد تحتاج المهمة نفسها إلى طائرتين بدلًا من طائرة واحدة، بما يعني طيارًا إضافيًا ووقودًا أكثر ودعمًا لوجستيًا أكبر.
وتشير دراسة فرنسية، إلى أن أجزاء من بعض مسارح العمليات مرتفعة الحرارة قد تشهد بحلول 2050 نحو 120 يومًا سنويًا فوق 45 درجة مئوية.
ويقارن ذلك بنحو 5 أيام فقط سنويًا في عشرينيات القرن الحالي في منطقة الساحل، ما يعني أن أفق التخطيط العسكري يتغير بسرعة.
الإنفاق الدفاعي يحتاج إلى تعريف أوسع
في قمة لاهاي العام الماضي، وافق أعضاء الناتو على إنفاق 3.5% على الدفاع الأساسي، وما يصل إلى 1.5% على المرونة والأمن المرتبط بها بحلول 2035.
وترى الكاتبة، أن الاستعداد لموجات الحر والآثار المناخية الأخرى يجب أن يكون جزءًا من البندين معًا.
فالإنفاق الدفاعي الأساسي يجب أن يراعي متطلبات عالم أكثر حرارة، بينما يجب أن يشمل إنفاق المرونة تكييف البنية التحتية المدنية الحيوية مع تغير المناخ.
يدعو التحليل إلى الاستثمار في ما تصفه الكاتبة بعوامل مضاعفة للاستقرار، وهي أنظمة الغذاء والمياه والطاقة التي تساعد المجتمعات على الصمود تحت الضغط.
فالصدمات المناخية في الدول منخفضة الدخل والهشة مناخيًا قد تؤدي إلى عدم استقرار وصراعات ونزوح.
وقد تمتد آثار ذلك إلى الأمن الأوروبي، عبر ضغوط الهجرة وتعطل سلاسل الإمداد وزيادة الطلب على التدخل العسكري والإنساني.
في عام 2022، أدت موجة حر في مارس إلى إضعاف محصول القمح في الهند، بالتزامن مع اضطراب صادرات حبوب البحر الأسود بسبب الحرب الروسية الأوكرانية.
ودفع ذلك نيودلهي إلى حظر صادرات القمح، ما زاد ارتفاع الأسعار عالميًا، وأصاب دولًا مستوردة وهشة مثل السودان بضغط إضافي في خضم أزمة اقتصادية بعد الانقلاب وقبل اندلاع الحرب الأهلية.
ويحذر تقرير صادر عن منظمة الكاتبة من أن تغير المناخ قد يضاعف بأكثر من 3 مرات احتمالات فشل محاصيل القمح في الهند وفرنسا وألمانيا في وقت واحد بحلول 2040.
الأمن الغذائي يدخل حسابات الناتو
يمكن لسيناريو فشل محاصيل القمح في عدة دول كبرى أن يرفع أسعار الغذاء في أوروبا بقوة، على غرار الصدمة التي صاحبت العام الأول من الحرب الروسية الأوكرانية.
كما قد يثير اضطرابات شبيهة بموجات الربيع العربي في شركاء يعتمدون على الاستيراد مثل المغرب والجزائر.
لذلك ترى الكاتبة أن على الناتو بناء آليات منتظمة تجمع مخططي المرونة مع خبراء الطاقة والطقس المتطرف والأمن الغذائي.
عدم الاستعداد للطقس المتطرف لا ينتج مخاطر مادية فقط، بل يفتح المجال أمام جهات هجينة تستغل الكوارث لنشر التضليل وتقويض الثقة في الحكومات.
وأشارت مسؤولة بولندية في الأمن السيبراني، إلى أن موجة الحر الأخيرة صاحبتها زيادة في رسائل مضللة على وسائل التواصل تزعم أن "حكومة عالمية" تتحكم في الطقس.
ويرتبط ذلك بنمط روسي في حملات التضليل، يحمّل الجيوش أو الحكومات مسؤولية ما يسمى "أسلحة الطقس"، أو ينتقد الإنفاق على دعم أوكرانيا بدلًا من المرونة المحلية.
نموذج الدفاع الشامل
تدعو الكاتبة الناتو إلى تحديث متطلبات المرونة الأساسية بما يعكس هذه المخاطر، ويساعد الدول الأعضاء في توجيه الإنفاق إلى نقاط الضعف الحقيقية.
وتربط هذه الاستثمارات بمفهوم الدفاع الشامل، الذي طورته دول الشمال الأوروبي، ويقوم على نهج يشمل المجتمع كله ويربط البنية التحتية المدنية بالجاهزية العسكرية.
وتعد فنلندا والسويد، العضوان الأحدث في الناتو، من أبرز النماذج في هذا النهج ويمكن أن تقدما إطارًا أوسع للحلف.
تشدد استراتيجية الأمن القومي السويدية لعام 2024، على أهمية الحفاظ على الإنتاج الغذائي المحلي بوصفه عنصرًا من عناصر المرونة الوطنية.
كما تشير إلى أن الطقس المتطرف قد يضعف الزراعة المحلية.
أما فنلندا، فتطلب وكالة الإمدادات الوطنية للطوارئ فيها احتياطيات تكفي 6 أشهر، بينما تحتفظ عمليًا بمخزون من الحبوب يقارب 9 أشهر، وتلزم الشركات الخاصة بتخزين مواد حيوية.
بنك الدفاع والمرونة أداة جديدة
يشير التحليل إلى أداة جديدة أمام الحلف، هي بنك الدفاع والأمن والمرونة، الذي تدعمه كندا ومن المقرر دفعه قدمًا في قمة أنقرة.
ويهدف البنك إلى الاستثمار في ابتكارات الدفاع والأمن.
وترى الكاتبة أن عليه ضمان أن تراعي استثمارات التكنولوجيا الدفاعية القدرة على الصمود أمام الطقس المتطرف، خصوصًا في سلاسل الإمداد.
تقر الكاتبة بوجود عرقلة أميركية لأي ملف مرتبط بتغير المناخ، خصوصًا مع تراجع سياسات مناخية في وزارة الدفاع الأميركية خلال إدارة ترامب.
لكنها تشير إلى أن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، أكد في مذكرة داخلية أن البنتاغون لا يزال مسؤولًا عن تحصين المنشآت ضد الطقس المتطرف، وتقييم آثار الطقس على العمليات، وتخفيف المخاطر المرتبطة به.
وبذلك، ترى الكاتبة أن إدخال التكيف المناخي في الدفاع يقع داخل التعريف العملي للجاهزية العسكرية، حتى إذا تجنب البعض استخدام لغة المناخ صراحة.
تقول الكاتبة، إن الناتو ليس الساحة الوحيدة لهذا العمل، إذ بدأ الاتحاد الأوروبي إدخال مرونة البنية التحتية في قوانين ملزمة.
ومنذ يناير 2023، دخل توجيه مرونة الكيانات الحيوية حيز التنفيذ، مع نهج يشمل جميع الأخطار، ويذكر الطقس المتطرف ضمن المخاطر التي تهدد الخدمات الأساسية.
ويحذر التوجيه من أن الحرارة والعواصف تضعف قدرة البنية التحتية وتقلص عمرها إذا غاب التكيف.
سيناريو 3 درجات مئوية
أعلنت المفوضية الأوروبية إطارًا متكاملًا للمرونة المناخية من المقرر اعتماده في أواخر 2026.
ويهدف الإطار إلى جعل استعداد أوروبا للمناخ أكثر طموحًا واتساقًا عبر قواعد ملزمة وأدوات اقتصادية ومعلوماتية.
ومن أبرز عناصره اعتماد سيناريو مرجعي مشترك عند ارتفاع الحرارة 3 درجات مئوية، مع تحديد واضح للمسؤولية حسب كل قطاع، بما في ذلك الدفاع.
تخلص الكاتبة، إلى أن التهديدات الأمنية اليوم لم تعد منفصلة عن المناخ والطقس المتطرف والتهديدات الهجينة والصدمات العالمية.
وترى أن على قادة الناتو مغادرة قمة أنقرة بمهمة واضحة، وهي ضمان أن تشمل تعهدات الإنفاق الدفاعي التكيف مع الطقس المتطرف لحماية المدنيين والقوات معًا.
فالحرارة لم تعد مجرد أزمة صحية أو بيئية، بل أصبحت عاملًا يحدد قدرة الحلف على الحركة والقتال والصمود داخل المجتمعات التي يدافع عنها.