تُجسّد أزمة مضيق هرمز كيف يُمكن لخصوم أميركا التلاعب بالاعتماد على سلاسل التوريد كأسلحة جيوسياسية، فقد أدّى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات لم تشهدها منذ سنوات، في الوقت نفسه، هيّأت الصين بالفعل نقاط اختناق مستقبلية للولايات المتحدة بحسب تقرير The National Interest.
هيمنة صينية على سلاسل التوريد
أصبح القادة الصينيون خبراء في حرب سلاسل التوريد، ووفقًا للجنة مراجعة الأمن والاقتصاد بين الولايات المتحدة والصين التابعة للكونغرس، "تحوّلت بكين نحو هدف سياسي واضح يتمثّل في ترسيخ هيمنة لا تُنازَع عبر سلاسل القيمة العالمية، والقضاء على نقاط ضعفها، مع خلق اعتمادًا عالميًا على المنتجات الصينية".
في أبريل 2020، وأعطى الرئيس الصيني شي جين بينغ توجيهات صريحة مفادها، "يجب علينا تشديد اعتماد سلاسل الإنتاج الدولية على الصين، وتشكيل تدابير مضادة فعّالة وقدرات ردع قوية تعتمد على قطع الإمدادات عن الأجانب بشكل مصطنع".
ولطالما تلاعبت الصين بسلاسل التوريد العالمية لسنوات، بدءًا من المواد الخام وصولًا إلى المنتجات النهائية، ومن بين ضحايا بكين اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية والعديد من الدول الأوروبية، وفق The National Interest.
حجب صادرات المعادن عن أميركا
في السنوات الأخيرة، حجبت الحكومة الصينية صادرات المعادن إلى الولايات المتحدة لصناعة الإلكترونيات المتقدمة (الغاليوم والجرمانيوم لأشباه الموصلات) والصناعات الدفاعية (الأنتيمون، وهو معدن لا بديل له في الذخائر العسكرية).
وقد عانت دول عديدة من أضرار مضاعفة نتيجة انقطاع الإمدادات المصنّعة في الصين، بالإضافة إلى إغراق الأسواق بفائض الإنتاج الصيني بهدف إفلاس المنافسين الأجانب المحتملين.
بالاعتماد على هيمنة الصين على المواد الخام الأساسية، واستغلالها للدعم الحكومي السخي وأسواقها المحلية الواسعة، باتت الصين تهيمن على الإمدادات العالمية لمنتجات بالغة الأهمية اقتصاديًا وعسكريًا، مثل لوحات الدوائر المطبوعة، وأشباه الموصلات الأساسية، والمكونات الصيدلانية الفعالة.
احتكار إنتاج بطاريات الليثيوم
فعلى سبيل المثال، احتكرت الصين إنتاج بطاريات الليثيوم أيون، الضرورية للأغراض العسكرية والمدنية على حد سواء، ورغم شهرتها في تشغيل المركبات الكهربائية، تُعد بطاريات الليثيوم أيضًا مكونات أساسية لأجهزة الكمبيوتر، والطائرات المسيّرة، وغيرها من الأنظمة الإلكترونية المتقدمة.
وما يزيد التحدي الصيني خطورة هو تلاعب الحكومة الصينية بعملتها ودعمها لشركاتها عبر الإعفاءات الضريبية، والقروض الميسرة، وغيرها من أشكال الدعم لخفض تكاليف صادراتها وتعزيز تبعيتها للخارج. كما تُسهم عمليات التجسس الإلكتروني وسرقة الملكية الفكرية الصينية في تمكين الشركات الصينية من الحصول على أسرار أجنبية.
من خلال استراتيجيتها المتمثلة في "دمج القطاعين العسكري والمدني"، تُجبر السلطات شركاتها على نقل التقنيات والمعلومات الاستخباراتية التي تجمعها من شركائها الأجانب إلى الجيش الصيني.
في المقابل، طورت الحكومة ضوابط تصدير مُحسّنة للحد من وصول الأجانب إلى المعادن الأرضية النادرة والتقنيات وغيرها من الإمدادات الأساسية.
سيطرة خفية للالتفاف على القيود الدولية
تتمثل إحدى التقنيات الصينية المبتكرة في إخفاء السيطرة الصينية على الكيانات الأجنبية للالتفاف على القيود القانونية المفروضة على الاستثمار الأجنبي المباشر، فبدلًا من الملكية الظاهرة، تعتمد الصين على سلاسل التوريد والقروض وتراخيص التكنولوجيا وغيرها من الوسائل الصينية لفرض سيطرتها على الشركات دون ملكية صينية صريحة.
ونتيجة لذلك، تعمل هذه الشركات فعليًا ككيانات خاضعة للسيطرة الصينية، قادرة على قطع الإمدادات في الأوقات الحرجة، وتدبير عمليات التجسس الإلكتروني وغيرها من أشكال التجسس حتى ذلك الحين.
ومن المفارقات أنّ الحكومات الغربية تدعم الهيمنة الصينية، فعندما سنّ الكونغرس قانون "القانون الشامل والجميل"، تضمن قيودًا على الكيانات الأجنبية المثيرة للقلق (الكيانات الأجنبية المحظورة) لمنعها من الاستفادة من الإعفاءات الضريبية الأميركية المخصصة لبناء سلاسل التوريد الأميركية بدلًا من دعم المنافسين الصينيين.
مساعدة الشركات التابعة للصين
ومع ذلك، تستمر الكيانات المتأثرة بالصين في الحصول على مساعدات فيدرالية من خلال الشركات التابعة والشركات الوهمية وهياكل الديون المبتكرة التي تخفي السيطرة الصينية، ونتيجة لذلك، يستخدم العمال الصينيون، بدلًا من الأميركيين، مكونات صينية الصنع بدلًا من مكونات أميركية الصنع لتجميع البطاريات على الأراضي الأميركية.
وقد أحرزت الحكومة الأميركية تقدمًا أكبر على الصعيد الدولي، و أطلقت الولايات المتحدة العام الماضي مبادرة "باكس سيليكا"، وهي مبادرة مشتركة بين شركاء عالميين موثوقين تهدف إلى بناء سلسلة إمداد للسيليكون مستقلة عن الصين.
وتتمثل الأولوية في بناء سلاسل إمداد مرنة للمعادن الحيوية، وتقنيات معلومات موثوقة، والبرمجيات والبنية التحتية الإستراتيجية التي لا غنًى عنها للذكاء الاصطناعي.
وعلى الصعيد المحلي، يتعين على الحكومة الأميركية سدّ الثغرات التي تحوّل أموال دافعي الضرائب الأميركيين إلى الشركات الصينية.
وينبغي لوزارة الخزانة سد الفجوة بين النوايا التشريعية والواقع التنظيمي، كما يمكن للوكالات الحكومية دعم تدريب القوى العاملة وبناء البنية التحتية باعتبارها الركيزة الأساسية لهذه السلاسل، وإذا طوّرت جهة ما تقنية مهمة، فعلى الحكومة المساعدة في تطوير سلسلة إمداد داعمة لها.