منذ تنصيب دونالد ترامب لولايته الثانية قبل نحو 15 شهراً، توالت الأزمات الاقتصادية على العالم، بدءاً من التعريفات الجمركية التي ضربت أسعار كافة السلع، من الغذاء والملابس إلى الطاقة والأسمدة ليس في أميركا وحدها لكنها طالت جميع الدول، خصوصًا أن الرسوم كانت شاملة، وصولاً إلى حرب إيران التي بلغت تداعيتها الاقتصادية جميع الدول.
هذه الضغوط دفعت ترامب نفسه للشعور بأن انتخابات التجديد النصفي المقبلة قد تطيح بحزبه أو قد تحمل معها مفاجآت غير سارة للرئيس الأميركي وعموم الجمهوريين، وسط تساؤلات عن شكل الفترة المتبقية من حكمه وأثرها الاقتصادي حال سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلسي النواب والشيوخ.
خارطة انتخابات نوفمبر 2026
قصة انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر 2026 مع انتصاف مدة الرئيس، تشمل انتخاب 345 عضواً في مجلس النواب، و35 مقعداً في مجلس الشيوخ، بالإضافة إلى انتخابات لاختيار حكام 36 ولاية أميركية.
وتكمن أهمية هذه الانتخابات، في أن سيطرة الحزب الديمقراطي ستؤدي إلى تعطيل خطط ترامب الاقتصادية، خصوصًا أن الجمهوريين يسيطرون حاليًا بفوارق ضئيلة، بينما يضغط الديمقراطيون بقوة مستغلين الغضب الشعبي جراء غلاء أسعار البنزين والتضخم.
كشف حساب ترامب
بدأت صحف ومواقع متخصصة حملات لتقديم كشف حساب للرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث ركزت الصحف المحلية في الولايات على أزمات التضخم الذي اتجه نحو مستوى 4% مقابل 3% في نهاية عهد الرئيس بايدن.
صندوق النقد الدولي عدّل توقعاته للنمو في أميركا لتستقر عند 2%، وأعادت الصحف فتح ملف الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب في أبريل 2025، واصفة إياها بالأعلى منذ 100 عام، مؤكدة أن المستهلك الأميركي هو من يدفع ثمنها بعكس ما روجه الرئيس ترامب بأن الرسوم الجمركية تتحملها الشركات المصدرة إلي أميركا.
أزمة الطاقة وحرب إيران
يعيش الشارع الأميركي حالة شحن ضد ترامب تركز على الإخفاق الاقتصادي، وآخرها الحرب مع إيران التي يرى أميركيون أن لا ناقة لهم فيها ولا جمل، والتي تسببت في زيادة أسعار البنزين بنسبة 38% منذ بدايتها، ليتجاوز سعر الغالون وقت نشر هذه السطور 4 دولارات، وهو السعر الأعلى منذ عام 2022، مما انعكس طردياً على ارتفاع التضخم بكافة أشكاله.
ويرى رئيس مركز الدراسات الاقتصادية والسياسية الدكتور خالد عبد القادر، أن الوضع الاقتصادي المتأزم حاليًا ناتج عن سياسات غير محسوبة، وهذا الأمر يستغله الحزب الديمقراطى من أجل حسم الانتخابات في التجديد النصفي، خصوصًا أن الضغط الاقتصادي حاليًا طال جميع الولايات الأميركية.
وتصاعدت التحذيرات من انهيار سوق السندات الأميركية إذا تمسك ترامب بنهجه للتدخل في عمل الاحتياطي الفيدرالي مع اقتراب رحيل جروم باول رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي.
وفي هذا السياق، استدعى مجلس الشيوخ "كيفين وارش" الأسبوع الماضي للتأكد من استقلالية البنك المركزي، بعد دعم ترامب لتكليفه برئاسة الفيدرالي خلفاً لجيروم باول الذي تنتهي مدته في مايو المقبل.
وقد صرح وارش بأنه "لم يعد ترامب بخفض أسعار الفائدة" في محاولة لتهدئة مخاوف أعضاء الشيوخ من فكرة طغيان سياسات ترامب المالية على أداء مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتميز باستقلالية تجعله مصدرًا للثقة لدى المستثمرين.
ويضيف الدكتور خالد عبد القادر، أن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي تؤثر بشكل مباشر على ملف السندات الحكومية الأميركية، ومنذ بدء تصعيد ترامب ضد رئيس الفيدرالي جيروم باول من أجل خفض الفائدة، الأمر الذي خلق مخاوف كبيرة حول مستقبل الدولار الذي تراجع لأدنى مستوياته منذ عدة سنوات، لتخسر العملة الأميركية أكثر من 9% خلال عام واحد من حكم ترامب في ولايته الثانية.
وفي ظل هذه الأجواء، قفز الذهب من 2,700 دولار للأوقية ليصل اليوم إلى مستويات فوق 4,700 دولار، بزيادة تقدر بنحو 75% وهو مؤشر على مخاوف كبيرة في الأسواق، بالإضافة إلى فقدان الثقة في الاقتصاد الأميركي وسوق السندات.
وكشفت دراسة لبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، أن أكثر من 90% من تكلفة الرسوم الجمركية تتحملها الشركات والأسر الأميركية، خلافاً لما روج له ترامب بأن الشركاء التجاريين هم من يتحملون التكلفة.
الخطيئة الكبرى في سياسات ترامب
وتشير تقديرات مختبر "ييل" للميزانية إلى أن الرسوم الجمركية الأميركية الحالية والمحددة بـ15% ستضيف نقطة مئوية واحدة للتضخم، وهو ما منع الفيدرالي من استكمال خفض الفائدة، حيث كان آخر خفض في ديسمبر 2025 بمقدار 25 نقطة أساس ليصل النطاق المستهدف إلى 3.50% - 3.75%.
وفي تقرير لمجلة "The National Interest"، وُصفت سياسة ترامب بـ"الخطيئة الاقتصادية" لإقراره قانون "المشروع الواحد الكبير الجميل" الذي تضمن تخفيضات ضريبية غير ممولة ستضيف 3.4 تريليونات دولار لعجز الميزانية خلال عقد من الزمان.
ويتوقع مكتب الموازنة بالكونغرس (CBO)، أن يصل العجز الكلي بنهاية السنة المالية في سبتمبر 2026 إلى 1.9 تريليون دولار، مع توقعات بزيادته سنوياً ليصل إلى 3.4 تريليون دولار خلال 10 سنوات.
ارتباك الأسواق العالمية
الخبير الاقتصادي ومحلل الاقتصاد الكلي الدكتور أيمن حسن، يقول "إن ما نشهده اليوم من ارتباك في الأسواق العالمية هو النتيجة الحتمية لسياسة الحماية التجارية المتشددة التي انتهجها ترامب منذ تنصيبه، ففرض رسوم جمركية هي الأعلى منذ قرن لم يضعف الشركاء التجاريين كما كان مخططاً، بل ألقى بعبء تضخمي ثقيل على كاهل الأسر والشركات في الولايات المتحدة بالإضافة إلي تضرر سلاسل التوريد في العالم أجمع ووضع سياسات حرية التجارة العالمية في اختبار قوي".
ويوضح الدكتور أيمن حسن، أن دولًا كبرى مثل الصين قللت من حيازة السندات الأميركية إلى مستوى هو الأقل منذ أكثر من 13 سنة تقريبا لتصبح في المركز الثالث من حيث أكبر الدول الحائزة للسندات.
وأضاف أن الأسواق لا تتفاعل فقط مع الأرقام الحالية، بل تتحوط من الأخطاء الاقتصادية طويلة الأجل مثل الرسوم الجمركية المستمرة والتخفيضات الضريبية غير الممولة التي ترفع العجز وتخلق حالة من فقدان الثقة في الاقتصاد والعملة الأميركية.
أما فيما يخص انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، فيرى الدكتور أيمن حسن، أنها ستمثل استفتاء على استقلالية القرار الاقتصادي الأميركي وكذلك شعبية دونالد ترامب.
ويرى الخبير الاقتصادي، أن فقدان الحزب الجمهوري أغلبيته يعني تعثرًا تشريعيًّا أمام الخطط الاقتصادية لترامب ومشروعاته الضخمة، ومؤخراً طلب ترامب زيادة ميزانية الدفاع بنحو 500 مليار دولار، وهو اتجاه قد يزيد العجز في الموازنة وفي حالة وجود أغلبية من الحزب الديمقراطي قد تتعطل مثل هذه التشريعات.