عاد ملف النفط والغاز ليطفو مجدداً على سطح المشهد السياسي والاقتصادي العراقي، مفاقماً التوتر بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان، إذ تسعى بغداد إلى استئناف تصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي، في حين ترفض أربيل الاستجابة لمطالبها، يأتي ذلك في ظل توقف الصادرات النفطية العراقية عبر ميناء البصرة منذ بداية مارس الحالي، ودخول البلاد في حالة من الجمود الاقتصادي مع استمرار الحرب الأميركية الإيرانية، وإغلاق طهران لمضيق هرمز أمام السفن التجارية.
توقف صادرات النفط العراقي
وكان وزير النفط العراقي حيان عبد الغني، قد صرّح مؤخراً أن صادرات النفط العراقي توقفت بالكامل، ما أدى إلى فقدان البلاد لمصدرها الرئيسي للدخل، ما دفع الحكومة الاتحادية لمطالبة إقليم كردستان بالسماح بتصدير 300 ألف برميل من النفط يومياً عبر ميناء جيهان لتعويض الخسائر، إلا أن أربيل لم تمنح موافقتها على طلب بغداد. ما وصفه مراقبون بأنه محاولة لاستغلال ملف النفط كورقة ضغط على الحكومة الاتحادية في بغداد.
وردت وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كردستان ببيان نفت من خلاله اتهامات وزارة النفط العراقية، معتبرة أن بغداد تفرض على الإقليم منذ بداية يناير الماضي حصاراً اقتصادياً خانقاً، عبر تطبيق النظام الجمركي (الأسيكودا) ما حرم تجّار الإقليم من الوصول إلى العملة الصعبة. كما أن حقول ومصافي النفط تعرّضت خلال الحرب إلى استهدافات سافرة، أدت إلى توقف عملية الإنتاج بشكل كلي، فيما عجزت بغداد عن إيقاف تمرد الفصائل العراقية المسلحة.
أزمة الفصائل المسلحة
وأشار بيان الوزارة، إلى أن هذه الفصائل المسلحة التي تستهدف المنشآت النفطية في الإقليم تتلقى رواتبها من الحكومة الاتحادية في بغداد، بينما لا يتم صرف رواتب مواطني الإقليم وتُؤخر بشكل متعمّد. لكن رغم ذلك نجدد موقفنا الثابت للانخراط في مفاوضات عاجلة وفورية لحسم نقاط الخلاف العالقة والتوصل إلى حلول سريعة تخدم المصلحة الوطنية العليا.
وفي محاولة لخفض التصعيد بين الجانبين، وجه الزعيم الكردي مسعود بارزاني رسالة عاجلة، دعا من خلالها الحكومتين إلى الاجتماع معاً وحل الخلافات، ووضع حد للانتهازيين الذين يسعون لتأجيج وتعميق الأزمات. في حين أعلن مجلس النواب العراقي استضافة وزير النفط ووزير الثروات الطبيعية في إقليم كردستان لبحث آلية تصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي.
ميناء جيهان.. ورقة ضغط
وصرّح مصدر اقتصادي عراقي، فضّل عدم ذكر اسمه لمنصة "المشهد"، أن أنبوب جيهان يبدأ سيره من كركوك إلى صلاح الدين ثم إلى الموصل ليصل إلى معبر فيشخابور ثم إلى تركيا، إذاً كامل الخط ليس ضمن حدود منطقة الإدارة الذاتية في إقليم كردستان.
وأكد المصدر، أن أربيل تستخدم ملف تصدير النفط عبر ميناء جيهان كورقة ضغط لحل المشكلات العالقة بينها وبين بغداد، في مقدمتها ملف رواتب موظفي الإقليم، حتى أن وزير النفط العراقي عرض التوسّط لدى الحكومة الاتحادية لتسليم رواتب موظفي الإقليم للشهر القادم مقابل السماح بتصدير 100 ألف برميل يومياً على أقل تقدير، لكن وزارة الثروات الطبيعة في الإقليم رفضت، وطالبت برواتب الأشهر السابقة مقابل السماح بتصدير النفط العراقي عبر ميناء جيهان.
وأوضح المصدر، أن أنبوب جيهان مزودج أي أن طاقته الاستيعابية 900 ألف برميل يومياً، كما يمكن رفعها لتصل إلى أكثر من مليون برميل يومياً، وهو عبارة عن أنبوبين الأول 4 إينش والثاني 6 إينش، أي نستطيع من خلاله تسيير النفط من البصرة وليس فقط من كركوك، إلا أن وزارة الثروات الطبيعة في الإقليم تعتبر أن أنبوب جيهان ضمن المناطق المتنازع عليها، لكن وفقاً للمادة 190 من الدستور العراقي لا يحق لأربيل بمفردها أو بغداد بمفردها اتخاذ أي قرار بشأن أي منشأة في كركوك.
النفط مقابل الغذاء!
منذ بداية شهر مارس الحالي، انخفط إنتاج النفط العراقي الخام إلى مليون و500 ألف برميل يومياً، بعد أن كان العراق ينتج 6.6 ملايين برميل يومياً، واقتصر الإنتاج على تلبية الاحتياجات المحلية فقط لمصافي النفط في الجنوب والوسط والشمال، بالإضافة إلى توفير الوقود لمحطات إنتاج الكهرباء. بينما توقف تصدير النفط من ميناء جيهان بعد أن كان ينقل 200 ألف برميل يومياً.
ويقول الخبير النفطي كوفند شيرواني لمنصة "المشهد"، إن الجواب الرسمي لوزارة الثروات الطبيعية في إقليم كردستان، يعكس عددا من المشاكل العالقة بين بغداد وأربيل، بعضها ضمن الملف النفطي وبعضها الآخر ضمن الملف المالي المرتبط برواتب موظفي الإقليم، وحرمان تجّار الإقليم من استيراد المواد الغذائية خلال شهر رمضان.
ويبدو بحسب شيرواني، أن هنالك جملة من المشاكل العالقة التي كان يُفترض معالجتها سابقاً وألا تُترك إلى هذا الوقت الحرج أو تنعكس على الملف النفطي، الذي يجب أن يأخذ الأولوية من قبل كل الأطراف، لذلك نرى أنه مهما كانت الخلافات، لا بد أن تُحل على مستوى الحكومتين وليس على مستوى الوزراء، ولا بد من التعجيل بتصدير النفط في أقرب وقت ممكن، لأننا نخسر يومياً بين 15 إلى 20 مليون دولار جراء توقف التصدير منذ بداية الحرب الإيرانية الأميركية.
ويؤكد شيرواني، أن استئناف التصدير عبر ميناء جيهان يمكن رفعه إلى 900 ألف برميل يومياً من نفط البصرة وكركوك، ما سيسد ثلث الإيرادات النفطية، ويخفف من وطأة الأزمة الحالية، إقليم كردستان جاهز للتفاوض بشكل عاجل وفوري لحل الإشكالات وعدم ربط الملفات ببعضها، لأن تأخير التصدير سيضر بالمصلحة الوطنية للجميع.
السوداني عاجز أمام الفصائل
وعلى المستوى السياسي، يرى الباحث السياسي مكرم القيسي، أن الحكومة الاتحادية بقيادة محمد شياع السوداني عاجزة عن إيقاف الفصائل العراقية المسلحة الخارجة عن القانون، لذلك نلاحظ ارتفاع وتيرة الاستهدافات، بدءا من مطار بغداد الدولي وقاعدة فكتوريا والسجن المركزي وسجن الكرخ إضافة إلى استهداف السفارة الأميركية، وأيضاً يقصفون عاصمة إقليم كردستان من مناطق سهل نينوى، ويستهدفون المصالح العراقية النفطية.
ويرى القيسي، أن الحكومة العراقية تمتلك الكثير من الأدوات لإيقاف تمرّد هذه الفصائل، منها جهاز مكافحة الإرهاب، المخابرات، الأمن الوطني، الجيش العراقي، كل هذه الأجهزة الأمنية الدستورية لديها القدرة على إسكات وإخماد هذه الفصائل المسلحة والقضاء عليها، لكن تفتقر الحكومة إلى الشجاعة لاتخاذ القرار لإسقاط هذه الفصائل، لأنها هي ذاتها من صنعت الحكومة العراقية الحالية.
وعن مستقبل العراق السياسي بعد انتهاء الحرب، يجيب القيسي: "في حال انتهاء الحرب، بشكل تفاوضي بين طهران وواشنطن، فإن هذه لفصائل العراقية المسلحة ستسمر بوجودها مع إضافة قوات أخرى لها وتشكيل فصائل جديدة في المنطقة، لكن الموضوع مرهون بطريقة انتهاء هذه الحرب، أما إذا كانت واشنطن ستنفذ تهديداتها بإنهاء أذرع إيران في المنطقة فالتأكيد سيكون مصير الفصائل العراقية المسلحة مشابها لمصير حزب الله اللبناني، سنشهد السيناريو نفسه أي أن القوات الأميركية الإسرائيلية هي من ستقصف مواقع قيادات هذه الفصائل، ثم بناء دولة جديدة دولة مؤسسات خالية من المجموعات الخارجة عن القانون تحفظ أمن وسلامة المواطن العراقي والمنشآت العراقية".