خلال أيام قليلة من الهجوم الأولي الأميركي والإسرائيلي على إيران في 28 فبراير 2026، انزلق العالم في أزمة طاقة، إغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، الذي يمر عبره يومياً حوالي 20% من نفط العالم وغازها الطبيعي المسال، إلى أكبر اضطراب في تدفقات الطاقة العالمية في التاريخ، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.
خلال الأسابيع الـ3 الأولى من الصراع، ارتفعت أسعار النفط بنسبة 55%، وقفز سعر البنزين بحوالي دولار واحد للغالون في أميركا، وارتفعت أسعار زيت التدفئة والوقود النفاثي إلى مستويات أعلى بكثير.
وبدأت العديد من الدول في تقنين الوقود، وتقصير أسابيع العمل، وإغلاق المصانع. أصبح واضحاً بسرعة مع استمرار إغلاق المضيق، فإن الأسعار ستستمر في الارتفاع، مما يعزز التضخم ويضعف النمو بحسب مجلة "فورين أفيرز".
ورغم أن هذه الأزمة تبدو استثنائية، فإن جذورها تعود إلى سوابق تاريخية، أبرزها حظر النفط العربي عام 1973، الذي كشف هشاشة الاعتماد على الإمدادات الخارجية ودفع الدول إلى بناء احتياطيات إستراتيجية وتعزيز التعاون الدولي.
اضطرابات اقتصادية واسعة
وأفاد تقرير المجلة بأن الواقع الجيوسياسي ظل حاضرا حيث بقي مضيق هرمز نقطة اختناق خطيرة طالما حذر منها الخبراء، إلى أن تجسد السيناريو الأسوأ بإغلاقه، ما أدى إلى اضطرابات اقتصادية واسعة، تفاقمت مع استهداف منشآت الطاقة في المنطقة.
أعادت هذه التطورات تقييم سياسات الطاقة عالمياً، إذ بدأت الدول التشكيك في جدوى الاعتماد على الأسواق المفتوحة، خصوصا بعد تجارب حديثة مثل تقليص روسيا إمدادات الغاز لأوروبا، وقيود الصين على تصدير المعادن النادرة، والعقوبات الأميركية على دول منتجة للطاقة مثل فنزويلا وإيران.
ومع تصاعد التوترات، قد تتجه الحكومات إلى تعزيز السيطرة المحلية على مواردها، رغم أن تحقيق الاكتفاء الذاتي يظل مكلفاً ومعقداً، وهو ما قد يؤثر بالسلب على أسواق الطاقة العالمية.
خلال العقود الماضية، ساد اعتقاد بأن العالم تجاوز صدمات النفط بفضل تنويع مصادر الطاقة وتحسين كفاءة الأسواق، وساهمت سياسات ما بعد السبعينيات، مثل إنشاء وكالة الطاقة الدولية وتحرير الأسعار، في تعزيز مرونة الأسواق.
النفط الصخري
كما دعمت ثورة النفط الصخري في الولايات المتحدة هذا الاتجاه، حيث تحولت إلى أكبر منتج عالمي، ما عزز الثقة بإمكانية تقليص الاعتماد على الشرق الأوسط.
كذلك، غذّت التحولات نحو الطاقة النظيفة، خصوصا بعد اتفاقية باريس للمناخ، الآمال بتراجع تأثير الجغرافيا السياسية على الطاقة، لكن هذه التوقعات اصطدمت بواقع استمرار الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري، الذي لا يزال يمثل أكثر من 80% من استهلاك الطاقة العالمي، في ظل نمو الطلب.
وأظهرت الأزمة الأخيرة، أن الدول المنتجة، مثل الولايات المتحدة، ليست بمنأى عن تقلبات السوق العالمية، حيث يؤدي ارتفاع الأسعار إلى أعباء على المستهلكين والصناعات، رغم استفادة المنتجين.
كما أن قيود البنية التحتية، مثل قدرات تصدير الغاز، تحد من القدرة على الاستجابة السريعة للأزمات.
في الوقت ذاته، يتزايد استخدام الطاقة كأداة سياسية، سواء عبر العقوبات أو القيود التجارية أو حتى العمليات العسكرية، ولم يعد النفط والغاز وحدهما في دائرة الصراع، بل المعادن الحيوية اللازمة للطاقة النظيفة، ما يعزز نفوذ الدول المسيطرة على سلاسل الإمداد.
تشير التطورات الأخيرة إلى أن أزمات الطاقة مرشحة للاستمرار، مع تطور أدوات التعطيل مثل الطائرات المسيّرة والهجمات الإلكترونية، التي تجعل استهداف الإمدادات أكثر سهولة وأقل تكلفة.
وأكد تقرير المجلة أن أزمة مضيق هرمز تكشف أن أي قوة عسكرية يمكنها إحداث تأثير اقتصادي عالمي واسع، ما يعيد الطاقة إلى قلب التنافس الجيوسياسي في السنوات المقبلة.