تتصاعد الخلافات بين الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان العراق وذلك على خلفية إقرار البرلمان للموازنة الجديدة التي تتضمن بنودا أغضبت إربيل ووصفتها بأنها "مخالفة للقوانين والدستور والاتفاقات المبرمة بين الطرفين، ما أثار جدلا واسعا في الأوساط العراقية.
ولاقى مشروع قانون الموازنة المالية الذي قدمته الحكومة أخيرا من أجل التصويت عليه اعتراضات من قبل كتل سياسية حول آلية دفع إقليم كردستان لحصة النفط، علما بأن إربيل تصدر حوالي 400 ألف برميل نفط يوميا، لكن ما حدث يثير تساؤلات حول الأسباب الحقيقية التي تقف وراء هذا الخلاف.
وتعليقا على ذلك، يرى أستاذ العلوم السياسية العراقي عصام الفيلي في حديث لمنصة "المشهد" أن "واحدة من أهم الأسباب التي تُعطل إقرار الموازنة هي طبيعة الإشكالية الأبدية القائمة ما بين المركز (بغداد) والإقليم (كردستان) في كل سنة مالية، وبالتالي يبدو أن عملية حضور البعد السياسي لدى الكثير من الأطراف هو الذي ساهم بالدرجة الأولى في تأخير إقرار عملية الموازنة".
أسباب الخلاف
وفيما يخص أسباب الخلاف ما بين أربيل وبغداد، يقول الفيلي إن السبب الأساسي لخلاف يعود إلى "مسألة عائدات النفط، فقرار المحكمة الاتحادية ما بين المركز والإقليم هو الذي حدد آلية العلاقة بأن تُسلم الواردات إلى بغداد، وهذا الموضوع لم يلقى اعتراضا من قبل الإقليم لذلك مع تولي رئيس الحكومة محمد الشياع السوداني، وُضعت آلية من قبل الحكومة لمعالجة هذه المشكلة، وهذه الآلية تمثلت في أن يتم تشكيل شركة تعرف بشركة نفط إقليم كردستان تخضع إلى شركة سومو الحكومية الاتحادية كجزء من الامتثال لهذه العملية، على أن يكون رئيس الشركة نائبا لشركة سومو، ما لقى ترحيبا من الأكراد والحكومة الاتحادية".
وفي هذا الاتجاه، يضيف الفيلي: "كان هناك صيغة يتم خلالها دفع الرواتب في الماضي على أن يتم محاسبة تسليم 400 ألف برميل نفط يوميا من قبل الإقليم للحكومة كل 3 أشهر، لكن بعض القوى السياسية الآن تريد أن تكون المحاسبة شهريا، وأن يكون التسويق في كل يوم يُسلم إلى سومو".
ويرى الفيلي أنه من الناحية العملية، "لا يمتلك العراق قدرات فنية للتسليم اليومي لـ400 ألف برميل نفط، كما يكون تسليم النفط إلى مصافي العراق في وقت لا يمتلك فيه العراق مصاف كثيرة لتسع آلاف البراميل يوميا، وهذا يعني أن هناك جهات تحاول أن تعرقل الحقيقة أو تهدم الرؤية أو الاستراتيجية التي وضعت من قبل الحكومة في هذا الموضوع، وهي مسألة مهمة جدا بالنسبة لبعض الجهات لأنها ترى أن عملية المشاحنة والبغضاء ما بين إربيل وبغداد يجب أن تكون دائمة، إذ يتهمون الإقليم بأنه هو الذي يسرق مقدرات العراق".
لكن النائب الكردي السابق عبد السلام البرواري يرى في حديثه لـ"المشهد" أنه لا يوجد خلاف بين إربيل وبغداد، موضحا "ليست هناك خلافات بين بغداد وإربيل الآن، الاتفاقية التي أدت إلى تشكيل تحالف إدارة الدولة ومن ثم مشاركتها في الحكومة وما أعقبها من عقد اتفاق رسمي بين رئيس وزراء الإقليم ورئيس وزراء الحكومة الاتحادية كل ذلك وضع نهاية للخلافات التي كانت موجودة بسبب مسألة ورادات النفط".
بوادر انفراجة
ويشرح برواري أصل المشكلة قائلا: "ما حدث راهنا هو أن الحكومة العراقية التزاما منها بالبرنامج الوزاري وبالاتفاقية، وضعت الميزانية على تلك الرؤية وتلك الاتفاقات، ولكن في اللجنة المالية في مجلس النواب، قام بعض الأعضاء بإضافة فقرات وإحداث تغييرات في المادتين الخاصتين بالإقليم وواردات النفط المادتين 13-14 مما جعل من شبه المستحيل أن تلتزم بغداد بدفع أو صرف حصة الإقليم التي هي حسب المادة 121 من الدستور والتي تخصص نسبة عادلة من الواردات الاتحادية للمحافظات والأقاليم حسب النسب السكانية. لذلك ما كان يسمى بحصة الإقليم بالحقيقة أصبح حسب الاتفاقية مسألة محلولة. أما الاتفاقية بين الحكومتين فكانت تتضمن الشركة الوطنية العراقية ببيع النفط واستلام الواردات ووضعها في حساب مصرفي لذلك لم يكن لدينا أي تدخل في هذا الموضوع".
ويضيف برواري أن حكومة إقليم كردستان "تتخذ موقفا صارما، ونحن لا نعاتب أعضاء مجلس النواب بل نعاتب قياداتهم لأننا عقدنا اتفاقات مع القيادات. واللقاءات التي دامت خلال الأيام الأخيرة تبشر بأن هذه الأزمة المفتعلة سيتم تجاوزها، إذ إن عمليا ليس هناك أزمة إلا أذا كانت هناك نية فعلا لخلق مشاكل والاستمرار في هذه السياسات التي تضر العراق قبل أن تضر الإقليم".
أما الفيلي فيعتقد أن هذا الموضوع بحد ذاته "سيشكل أزمة حقيقية لأن الأطراف الأخرى تريد أن يكون تسليم الأموال في البنك العراقي المركزي، في حين أن الأكراد يريدون أن يكون التسليم في بنك سيتي أو أميريكان"، لافتا إلى أن "نهاية الأزمة من الناحية العملية ستحدث في حال اجتماع ائتلاف إدارة الدولة والذي يضم القيادات الكردية السنية الشيعية وتوصلوا إلى صيغة معالجة عبر آليات جديدة لأنهم يمثلون المطبخ السياسي الذي يكاد يكون هو المعالج وليس رؤية النواب".
ويشي الفيلي في حديثه لـ"المشهد" إلى أن "كل محاولة لما يعرف بسياسة لَيّ الأذرع أو فرض الإملاءات من قبل أي طرف سيفضي إلى نتائج في الأيام المقبلة أو حتى في الانتخابات المقبلة إلى إشكالية كبيرة ما يُعقد المشهد السياسي العراقي لأن طبيعة الأزمات الموجودة تُعطي رسالة ليس فقط للأكراد، وإنما حتى إلى السنة، بأن هناك أصبحت ثقافة الانقضاض على الشريك ونقض كل هذه الاتفاقيات بمعنى أننا في أزمة حقيقية وهذه الأزمة تفضي إلى وضع عراقي غير مستقر".