hamburger
userProfile
scrollTop

أزمة مضيق هرمز تتحول إلى تهديد مباشر للغذاء في العالم.. ما السبب؟

الأزمة جاءت في توقيت شديد الحساسية مع اقتراب موسم الزراعة الربيعي (رويترز)
الأزمة جاءت في توقيت شديد الحساسية مع اقتراب موسم الزراعة الربيعي (رويترز)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • أزمة هرمز تضغط على الأسمدة وتدفع الغذاء العالمي إلى دائرة الخطر.
  • قفزة اليوريا تكشف انتقال الصدمة من الغاز والشحن إلى الحقول.
  • الأسواق تترقب نقصا أوسع في المعروض مع اقتراب ذروة موسم الزراعة.
  • التحذيرات تتصاعد من تحول أزمة الملاحة إلى موجة تضخم غذائي عالمية.

اتسعت تداعيات أزمة مضيق هرمز خلال مارس 2026 من أسواق الطاقة والشحن إلى سوق الأسمدة العالمية، في تطور يضع الإنتاج الزراعي العالمي أمام ضغوط متزايدة مع ارتفاع تكلفة المدخلات واقتراب مواسم الزراعة.

فتعطل الملاحة وارتفاع كلفة التأمين والنقل لم يبقيا داخل دائرة النفط والغاز، بل امتدا إلى الغاز الطبيعي المستخدم في إنتاج الأمونيا واليوريا، ثم إلى سوق الأسمدة النيتروجينية، قبل أن تبدأ آثار ذلك في الظهور على قرارات المزارعين وأسعار المحاصيل.

الأزمة تتجاوز الطاقة إلى الأمن الغذائي

وفي هذا السياق، قال مستشار المركز العربي للدراسات والباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي أبو بكر الديب في حديثه لـ "المشهد"، إن إغلاق مضيق هرمز أو حتى تعطله جزئيا لا يمثل مجرد أزمة طاقة عابرة، بل يضغط مباشرة على واحدة من أخطر حلقات الأمن الغذائي العالمي، وهي سوق الأسمدة التي تعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات الغاز الطبيعي ومشتقاته القادمة من الخليج.

وأضاف أن أي اضطراب في هذا الممر الحيوي ينعكس سريعا على إنتاج وتصدير الأسمدة، خصوصا الأسمدة النيتروجينية المرتبطة مباشرة بأسعار الغاز وتوافره، ما يفتح الباب أمام موجة صامتة من نقص الأسمدة قد تبدأ في القطاع الزراعي قبل أن تظهر بوضوح في أسواق الغذاء.

تحذيرات مباشرة من قفزة أوسع في اليوريا

وتعززت هذه القراءة بتحذيرات صادرة عن مؤسسات ومحللين دوليين، فقد حذر محلل مؤسسة CRU كريس لوسون، في تقرير نشرته رويترز في 17 مارس 2026، من أن استمرار الحرب قد يدفع أسعار الأسمدة النيتروجينية، وفي مقدمتها اليوريا، إلى الاقتراب من الضعف، موضحا أن الثقل الكبير الذي تمثله المنطقة في هذه السوق يجعل أي انقطاع ممتد في الإمدادات أمرا يصعب تعويضه سريعا من منتجين آخرين.

ومن زاوية السوق الفعلية، قال محلل أسواق الأسمدة في StoneX جوش لينفيل، إن الأزمة جاءت في توقيت شديد الحساسية مع اقتراب موسم الزراعة الربيعي، وهو ما ضاعف حساسية السوق تجاه أي نقص في المعروض.

وأوضح أن الأسعار قفزت في مركز نيو أورلينز الأميركي من 516 دولارا للطن إلى 683 دولارا.

وفي تقييم مواز، قالت محللة "بلومبرغ إنتليجنس" أليكسيس ماكسويل، في تحليل نشرته "بلومبرغ"، إن نحو ثلث إمدادات الأسمدة العالمية يمر عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب في هذا المسار ذا أثر سريع ومباشر على سوق اليوريا والغذاء معا.

وأشارت إلى أن اليوريا الحبيبية في مصر ارتفعت بنحو 60 دولارا للطن بعد الإغلاق الفعلي للمضيق، بينما سارع مزارعون في الولايات المتحدة إلى شراء شحنات إضافية بتكلفة تزيد بنحو 22% مقارنة بمستويات أواخر العام الماضي.

من اضطراب الملاحة إلى اختناق الغاز

بدأت السلسلة من البحر، عندما ألغت شركات تأمين بحري أو استبعدت تغطيات مخاطر الحرب للسفن العاملة في مياه الخليج والمياه الإيرانية والمجاورة مطلع مارس، قبل أن ترتفع أقساط مخاطر الحرب من نحو 0.25% من قيمة السفينة إلى نطاقات بين 1% و1.5%، مع تقديرات أعلى في بعض الحالات.

وجرى رصد تكدس ما لا يقل عن 150 سفينة في المنطقة، وهو ما رفع كلفة العبور وزاد الضغوط على سلاسل الإمداد المرتبطة بهذا المسار.

وفي 5 مارس، ذكرت رويترز أن حركة الشحن واجهت ضغوطا تشغيلية انعكست على بعض الموانئ والمحاور اللوجستية، ومنها تعطل عمليات لساعات في ميناء جبل علي مع تكدس سفن قرب الفجيرة، في تطور عكس حساسية هذا الممر بالنسبة لحركة التجارة وإعادة التصدير.

ثم انتقلت الضغوط إلى الغاز الطبيعي، وهو ما منح الأزمة بعدها الأخطر بالنسبة للأسمدة. فبحسب شركة Vortexa، يمر خُمس تجارة الغاز المسال العالمية عبر مضيق هرمز، بينما تعبر أكثر من 90% من صادرات قطر من الغاز المسال هذا المسار.

ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بأكثر من 60% منذ بداية الحرب. وتوضح الوكالة الدولية للطاقة، أن أكثر من 70% من إنتاج الأمونيا العالمي يعتمد على الغاز الطبيعي، كما تُمثل الطاقة نحو 70% من تكلفة إنتاج الأسمدة، علمًا بأن نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية يمر عبر مضيق هرمز.

من الغاز إلى الأسمدة ثم إلى قرارات الشراء

لم يكن مفاجئا أن تظهر القفزة السعرية في سوق الأسمدة بهذه السرعة، فبحسب "أرغوس"، ارتفعت أسعار تصدير اليوريا في الشرق الأوسط إلى أكثر قليلا من 700 دولار للطن المتري، مقابل أقل قليلا من 500 دولار قبل الحرب، بزيادة تقارب 40%.

وارتفعت أسعار الأسمدة في الولايات المتحدة بما يصل إلى 32% منذ بداية الصراع، مع توقع هبوط صادرات اليوريا العالمية في مارس إلى نحو 1.5 مليون طن متري فقط.

ومع تصاعد الضغوط، دخلت الهند محادثات لزيادة وارداتها من الأسمدة من روسيا وبيلاروسيا والمغرب، فيما ارتفعت أسعار اليوريا المسلمة إلى البرازيل بنحو 35% خلال أسبوعين، ما دفع بعض المشترين إلى الاتجاه نحو بدائل أرخص مثل كبريتات الأمونيوم.

الحقول تبدأ التقاط أثر الصدمة

وقال أبو بكر الديب إن المزارعين باتوا أمام معادلة صعبة بين شراء الأسمدة عند مستويات مرتفعة أو تقليل استخدامها، وفي الحالتين تميل النتيجة إلى تراجع الإنتاجية الزراعية.

وبدأ هذا الأثر يظهر في المحاصيل، فبحسب تحليل farmdoc الصادر عن جامعة إلينوي، ارتفع عقد الذرة الجديد تسليم ديسمبر 2026، من 4.69 دولارات للبوشل في 27 فبراير إلى 4.90 دولارات في 13 مارس، كما ارتفع عقد فول الصويا الجديد تسليم نوفمبر 2026، من 11.28 دولارا إلى 11.61 دولارا للبوشل خلال الفترة نفسها.

وبحسب تقارير نشرتها رويترز أيضا، فإن أسعار الذرة والصويا في الولايات المتحدة كانت في بعض اللحظات أعلى بنحو 6% من مستويات ما قبل الحرب.

وفي الأرز، أدى اضطراب الشحن إلى تكدس نحو 400 ألف طن متري من البسمتي الهندي في الموانئ أو في الطريق، قبل أن تتباطأ الصادرات أكثر مع ارتفاع أقساط التأمين وأجور الشحن، ما دفع الأسعار داخل الهند إلى التراجع بنحو 6% بسبب اختناق الصادرات، بينما ارتفعت كلفة الاستيراد على المشترين في الخارج.

أكد أبو بكر الديب أن أخطر ما في هذه الأزمة أنها لا تظهر بشكل فوري وصادم مثل ارتفاع أسعار النفط، بل تتسلل ببطء عبر المواسم الزراعية.

وقال إن انتقال هذه الضغوط إلى القطاع الزراعي، قد يبدأ بتراجع المعروض العالمي من الغذاء بعد موسم أو موسمين، ثم يقود إلى ارتفاع تدريجي ومتسارع في الأسعار مع اتساع الفجوة بين العرض والطلب.

وأضاف أن التداعيات لا تقتصر على الحبوب، بل تمتد إلى الأعلاف الحيوانية، بما يرفع تكلفة إنتاج اللحوم والدواجن ومنتجات الألبان، ويخلق موجة تضخم غذائي أوسع.

وحذر المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية IFPRI، من أن استمرار تعطل التجارة عبر الخليج قد يرفع تكاليف الطاقة والأسمدة بما يهدد الأمن الغذائي العالمي، خصوصا في الدول الأكثر هشاشة واعتمادا على الواردات.