عزز تباطؤ التضخم الأميركي احتمالات اتجاه مجلس الاحتياطي الاتحادي بقيادة كيفن وارش، إلى تثبيت أسعار الفائدة لفترة أطول، بعدما أضعفت بيانات يوليو مبررات الرفع، من دون أن تقدم في الوقت نفسه أسبابًا اقتصادية كافية للاستجابة إلى مطالب الرئيس دونالد ترامب بخفض تكاليف الاقتراض، بحسب تقرير تحليلي نشرته "رويترز".
ويجد الفيدرالي نفسه أمام اقتصاد لا يتجه بوضوح نحو ركود أو انتعاش تضخمي جديد، إذ لا تزال البطالة منخفضة تاريخيًا، بينما يتباطأ نمو الوظائف وتتراجع الأجور الحقيقية، في حين يظل التضخم أعلى من مستهدف 2% لكنه أظهر إشارات على الهدوء خلال الشهرين الأخيرين.
الفيدرالي يدخل منطقة الانتظار
تولى كيفن وارش رئاسة مجلس الاحتياطي الاتحادي في مايو، وسط انقسام واضح بين مسؤولي البنك بشأن الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة، بالتزامن مع ضغوط متواصلة من ترامب لإطلاق دورة خفض واسعة بهدف تحفيز الاقتصاد.
لكن أحدث البيانات عززت سيناريو ثالثًا يقوم على عدم التحرك، إذ لا تبدو سوق العمل قوية بما يكفي لتحمل تشديد سريع للسياسة النقدية، ولا ضعيفة بالقدر الذي يستدعي خفض أسعار الفائدة.
كما أن تباطؤ التضخم يقلص الحاجة إلى رفع الفائدة فورًا، خصوصًا مع اعتقاد عدد من المسؤولين بأن النطاق الحالي البالغ بين 3.50% و3.75% يفرض بالفعل قيودًا كافية على النشاط الاقتصادي والأسعار.
أظهرت بيانات وزارة العمل الأميركية، ارتفاع أسعار المستهلكين 0.1% فقط خلال يوليو، بعد انخفاضها 0.4% في يونيو، وهو أول تراجع شهري للمؤشر منذ ست سنوات.
كما استقرت أسعار المنتجين دون تغيير خلال يوليو، في قراءة جاءت أقل من توقعات الأسواق، ما يشير إلى انحسار بعض الضغوط التي تواجه الشركات قبل انتقالها إلى أسعار السلع والخدمات التي يدفعها المستهلك.
وتباطأ معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين إلى 3.4% من 3.5%، بينما تراجع التضخم الأساسي إلى 2.5% من 2.6%، ما أضعف الحجة القائلة إن الأسعار لن تتراجع من دون زيادة جديدة للفائدة.
ورغم استمرار التضخم فوق هدف الفيدرالي، فإن اتجاهه خلال الشهرين الأخيرين يمنح صناع السياسة مساحة أكبر للانتظار ومراقبة ما إذا كان التباطؤ سيستمر أم أنه مجرد هدوء مؤقت.
النفط والرسوم والذكاء الاصطناعي
يرى توماس باركين، رئيس بنك الاحتياطي الاتحادي في ريتشموند، أن جزءًا كبيرًا من تسارع التضخم خلال 2026 جاء نتيجة صدمات قد تتراجع بمرور الوقت، من بينها ارتفاع أسعار النفط والرسوم الجمركية والطلب القوي على المعدات والعمالة المرتبط باستثمارات الذكاء الاصطناعي.
وبحسب هذا الاتجاه داخل الفيدرالي، فإن رفع أسعار الفائدة لمواجهة صدمات عرض مؤقتة قد يفرض أضرارًا غير ضرورية على الاقتصاد والتوظيف، خصوصًا إذا كانت الضغوط السعرية قد بدأت بالفعل في الانحسار.
لكن استمرار الحرب في الشرق الأوسط وتقلب أسعار الطاقة يعنيان أن هذا السيناريو ليس مضمونًا، إذ يمكن لأي موجة جديدة من ارتفاع النفط أن تعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة.
مخاوف من ترسخ التضخم
على الجانب الآخر، يحذر صقور الفيدرالي من أن بقاء التضخم فوق مستوى 2% لأكثر من 5 سنوات قد يدفع الأسر والشركات إلى الاعتقاد بأن الأسعار المرتفعة أصبحت وضعًا دائمًا.
وتكمن الخطورة في أن توقعات التضخم قد تتحول إلى عامل يغذي ارتفاع الأسعار، إذ تطالب العمالة بأجور أكبر وتزيد الشركات أسعار منتجاتها تحسبًا لارتفاع التكاليف المستقبلية.
وترى بيث هاماك، رئيسة بنك الاحتياطي الاتحادي في كليفلاند، أن الانتظار لـ3 أو 4 سنوات أخرى حتى يعود التضخم إلى الهدف قد يضعف مصداقية البنك المركزي، ويجعل عملية السيطرة على الأسعار لاحقًا أكثر صعوبة وكلفة.
وكانت هاماك 1 من 3 مسؤولين عارضوا قرار الفيدرالي الأخير بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، مفضلين رفعها بمقدار ربع نقطة مئوية. كما أعلن رئيسا بنكين إقليميين لا يملكان حق التصويت حاليًا أنهما كانا يفضلان الزيادة.
الأسواق تستبعد رفع سبتمبر
قلص المستثمرون رهاناتهم على رفع الفائدة في اجتماع الفيدرالي يومي 15 و16 سبتمبر، بعد بيانات أظهرت فقدان وظائف بصورة غير متوقعة وتباطؤ تضخم المستهلكين والمنتجين.
وتراجعت احتمالات رفع الفائدة في سبتمبر إلى نحو 33% أو 35%، مقارنة بمستويات تجاوزت 60% قبل صدور أحدث بيانات سوق العمل والتضخم.
لكن الأسواق لا تستبعد تشديد السياسة النقدية بالكامل، إذ تشير تسعيرات العقود إلى احتمال يتجاوز 90% لارتفاع سعر الفائدة بحلول نهاية العام، ما يعني أن المستثمرين يؤجلون توقعاتهم للزيادة إلى أكتوبر أو ديسمبر بدلًا من إلغائها.
أظهرت توقعات مسؤولي الفيدرالي الصادرة في يونيو انقسامًا شبه متساو، إذ رأى نصف المسؤولين تقريبًا أن أسعار الفائدة تحتاج إلى زيادة بمقدار ربع نقطة مئوية على الأقل قبل نهاية 2026، بينما فضل معظم الباقين تثبيتها.
كما توقع غالبية المسؤولين أن يتراوح تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل لدى الفيدرالي، بين 2.2% و2.5% بنهاية 2027.
وكان هذا المؤشر قد ارتفع إلى 4.1% في مايو بعد 3 أشهر من زيادة أسعار الطاقة المرتبطة بالحرب، قبل أن يتباطأ إلى 3.7% في يونيو، وهي أحدث قراءة متاحة.
ويرى كريستوفر والر وليزا كوك، عضوا مجلس محافظي الفيدرالي، أن رفع الفائدة قد يصبح ضروريًا إذا لم يتراجع التضخم قريبًا، إلا أن قراءات يوليو تشير إلى أن التباطؤ الذي اشترطاه ربما بدأ بالفعل.
ترامب يطالب بخفض الفائدة
يواصل ترامب الضغط من أجل خفض كبير لأسعار الفائدة، ويلقي باللوم على عدد من مسؤولي الفيدرالي في تعطيل التيسير النقدي، بينما تجنب وارش حتى الآن تقديم توجيهات واضحة بشأن القرار المقبل.
ومع ذلك، لا تظهر البيانات الحالية ضعفًا اقتصاديًا حادًا يبرر تخفيض الفائدة، إذ يبلغ معدل البطالة 4.1%، وهو مستوى منخفض تاريخيًا، رغم تباطؤ خلق الوظائف وتراجع الأجور المعدلة وفقًا للتضخم خلال الأشهر الـ6 الأخيرة.
وفي المقابل، قد يؤدي رفع الفائدة إلى زيادة تكاليف الرهن العقاري وقروض الشركات وبطاقات الائتمان، وإضعاف النشاط الاقتصادي والتوظيف في وقت ربما يكون فيه التضخم قد بدأ التراجع بالفعل.
سيحصل مسؤولو الفيدرالي قبل اجتماع سبتمبر، على بيانات جديدة بشأن التضخم والتوظيف خلال أغسطس، إلى جانب تحديث لمؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي وتطورات أسعار النفط.
وإذا استمر التضخم في التباطؤ وظلت سوق العمل هشة، فمن المرجح أن يتجنب المجلس رفع الفائدة. أما إذا عادت ضغوط الأسعار أو ارتفعت توقعات التضخم، فقد يستعيد معسكر التشديد زخمه.
وفي غياب تحرك حاسم في أي من الاتجاهين، يبدو تثبيت الفائدة الخيار الأقل مخاطرة لفيدرالي منقسم، حتى لو أدى ذلك إلى تأجيل المواجهة بين مطالب البيت الأبيض بخفض الفائدة ومخاوف صناع السياسة من ترسخ التضخم.


