برميل النفط قفز من 65 إلى 115 دولاراً. 11 مليون برميل يومياً مهدّدة بالتبخّر إذا أُغلق مضيق هرمز نهائيّاً. ثلث الأسمدة الزراعية في العالم عالق خلف ممرّ بحري تتطاير حوله الصواريخ. وفي محطات الوقود الفرنسية، يرتفع العدّاد كلّ أسبوع بصمت.
ما يحدث اليوم ليس مجرّد أزمة نفط أخرى. إنّه اضطراب يضرب شرايين الاقتصاد العالمي دفعة واحدة: الطاقة، الغذاء، الصناعة، وسلاسل الإمداد. وأوروبا، التي لم تلتقط أنفاسها بعد من صدمة الحرب الأوكرانية، تجد نفسها أمام موجة غلاء جديدة قد تدفعها نحو ركود تضخمي لا مخرج سهلاً منه. الأسعار سترتفع، والشركات ستتوقف عن الاستثمار، والمواطن سيدفع الثمن الأكبر.
تأثير حرب إيران على الاقتصاد الأوروبي
3 أسئلة تُلخّص ما ينتظر أوروبا والعالم:
- ما حجم الضربة الاقتصادية الفعلية؟
- ماذا لو أُغلق باب المندب أيضاً؟
- وهل تجد أوروبا نفسها مضطرّة للعودة إلى النفط الروسي رغم كلّ شيء؟
للإضاءة على الأزمة بمختلف جوانبها، اعتبر الباحث الاقتصادي والأستاذ في جامعة باريس، الدكتور دانيال ملحم، في حديث لمنصة "المشهد"، أنّ الحرب الإيرانية الدائرة في مضيق هرمز تُحدث تأثيراتها على الاقتصاد الأوروبي من خلال 3 توقيتات رئيسة.
ويتمحور التوقيت الأول حول الصادرات النفطية والمشتقات النفطية والأسمدة الزراعية المتجهة نحو أوروبا.
وأشار ملحم إلى أنّ سوق الطاقة الأوروبي شهد بعد أزمة 2022 والحرب الأوكرانية إعادة هيكلة جذرية، إذ أصبحت أوروبا، التي كانت تحصل على الغاز والنفط من روسيا بأسعار منخفضة، تستورد من مصادر بديلة تشمل:
- الولايات المتحدة
- أستراليا
- كندا
- النرويج
- قطر (الغاز المسيّل بشكل رئيس)
هوامش ضيّقة وأسعار على المحكّ
وعزا تضييق الهوامش في سوق النفط إلى عوامل عدّة:
1. تحوّل النفط الروسي: أصبحت النفوط الروسية تتجه نحو جنوب شرق آسيا نتيجة الحظر المفروض.
2. السيطرة على النفط الفنزويلي: وضعت الولايات المتحدة يدها على النفوط المقبلة من فنزويلا.
3. تقلّص مصادر الإمداد: أصبحت الهوامش ضيقة جداً، وأي ضغط على المنابع يؤدي فوراً إلى ارتفاع الأسعار.
لماذا لم تنفجر الأسعار بعد؟
وعن أسباب عدم ارتفاع الأسعار بشكل حاد حتى الآن، أفاد ملحم أنّ ذلك يعود إلى 3 عوامل:
1. استمرار ضخّ النفط: لا يزال هناك ضخ كافٍ في الأسواق العالمية.
2. ضعف الطلب العالمي: يسود خوف من الدخول في ركود اقتصادي عالمي.
3. تسعير الأسواق لحرب قصيرة: تقوم الأسواق بتسعير سيناريو حرب قصيرة جداً، بخلاف ما شهدته أزمة عام 1973.
موجة غلاء آتية
غير أنّه حذّر من أنّ النقص في النفط والمشتقات والأسمدة الزراعية سيؤدي إلى ارتفاع سريع في أسعار المواد الأولية، خصوصا تلك المتعلقة بالقطاع الزراعي، مرجّحاً ظهور نقص ملموس في المعروض خلال الفصل الأخير من عام 2026 والفصل الأول من عام 2027.
فرنسا: درع 2022 لم يعد صالحاً
وفيما يخصّ فرنسا، ذكّر ملحم بأنّ الدولة تدخّلت بقوة في عام 2022 عبر وضع سقف لأسعار الطاقة (Bouclier tarifaire) لتجنّب صدمة استهلاكية كان من شأنها دفع الاقتصاد نحو ركود سريع.
لكنّه لفت إلى أنّ هوامش التدخّل أصبحت اليوم محدودة للغاية، سواء من ناحية:
- قدرة الحكومة الفرنسية على مواصلة دعم الأسعار ومنع ارتفاعها الحاد.
- قدرة الشركات التي تعاني أصلاً ضيق هوامش الربح منذ فترة.
ورأى أنّ ذلك سيُفضي إلى ضغط مباشر على المستهلك النهائي يتجلّى في:
1. انخفاض الاستهلاك الذي كان قد بدأ التعافي في الآونة الأخيرة.
2. ارتفاع التضخم مع توقعات برفع أسعار الفائدة أكثر من مرّة وتشدّد نقدي أكبر.
3. صدمة مزدوجة: اجتماع صدمة العرض (نقص المعروض) مع صدمة الطلب (التشدّد النقدي)، ما سيدفع حتماً نحو الركود.
هرمز مُغلق: 11 مليون برميل تتبخّر
وحول سيناريو إغلاق مضيق هرمز، أشار ملحم إلى أنّه يُشكّل أزمة بالغة الخطورة:
- نقص فوري بنحو 11 مليون برميل يومياً من المعروض العالمي.
- ما بين 33% و35% من الأسمدة الزراعية والمشتقات النفطية والغاز المُسال تمرّ عبر هذا الممرّ الحيوي.
- استمرار الإغلاق لفترة طويلة سيُفضي إلى أزمة حقيقية تطال حتى الولايات المتحدة.
وأبدى ملحم رأياً مفاده أنّ هذا الاضطراب قد يكون مُفتعلاً بشكل غير مباشر من الإدارة الأميركية، لتحقيق أهداف عدة:
1. ضرب كفاءة التكلفة والإمداد لدى الاقتصادات المنافسة، بحيث يُصبح الحصول على النفط بأسعار منخفضة وبشكل منتظم أمراً صعباً.
2. دفع السوق الأميركي إلى الصدارة كبديل عالمي، بفضل كفاءته الإنتاجية العالية.
كما عزا ذلك إلى رغبة واشنطن في تعزيز هيمنة الدولار، ليس فقط لتسعير الطاقة عالمياً، وإنما أيضاً لتسعير صادراتها النفطية ذاتها، ما يضمن استمرار النظام النقدي العالمي على شكله الحالي في المدى الطويل.
النفط الروسي: عودة ممكنة بشروط
وعن إمكان عودة النفط الروسي إلى أوروبا، أفاد ملحم أنّ المعطيات السياسية الراهنة تسمح بطرح هذا السؤال، لا سيما في ظلّ الإشارات الأخيرة بين واشنطن وموسكو. وأكّد أنّ العودة ممكنة من حيث المبدأ، وفق شروط محددة:
- روسيا رحّبت بالفكرة لكنها اشترطت أن تقوم العلاقة على أساس تجاري بحت بعيداً عن الاعتبارات السياسية.
- من مصلحة موسكو تصريف احتياطاتها الضخمة من النفط والغاز في الأسواق الأوروبية.
ولفت إلى أنّ عودة الإمدادات الروسية قد تُسهم في إعادة التوازن لميزان المدفوعات لدى الطرفين.
أوروبا أمام ركود تضخمي بسبب هرمز
خلص ملحم إلى أنّ التوقيت الأول من تأثيرات الحرب، المتمثّل في اضطراب إمدادات الطاقة والمواد الأولية، سيترك أثراً مباشراً وعميقاً على الاقتصاد الأوروبي، مع احتمال قوي لدخول أوروبا في مرحلة ركود تضخمي (Stagflation). كما أنّ إغلاق مضيق هرمز يُمثّل خطراً إستراتيجياً قد يُعيد تشكيل خريطة أسواق الطاقة لصالح الولايات المتحدة، في حين تبقى عودة النفط الروسي إلى أوروبا خياراً مشروطاً بتحوّلات سياسية جوهرية.
من جهته، تحدث الخبير في الماليّة الأوروبيّة، واستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية في جامعة السوربون الدكتور كميل الساري لـ"المشهد"، معتبراً أنّ تداعيات الحرب تنعكس مباشرة على الأسعار وغلاء المعيشة. وأشار إلى أنّ نحو 20% من النفط والغاز العالميين يمرّ عبر مضيق هرمز، فضلاً عن 30% من السلع الأساسية كالأسمدة والحديد والألمنيوم ومكوّنات السيارات والحواسيب.
ولفت الساري إلى أنّ سعر برميل النفط قفز من نحو 65 دولاراً قبل اندلاع الحرب إلى ما يتجاوز 115 دولاراً حالياً، وهو ما يُترجم بارتفاع مباشر في:
- أسعار الوقود والغاز.
- تكاليف النقل والإنتاج.
- أعباء المزارعين وكلّ من يعتمد على وسائل النقل في عمله.
واستند الساري إلى تقديرات صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي تُحدّد نسبة ارتفاع الأسعار بنحو 2.7% عالمياً، مقابل 1.5% في فرنسا. وحذّر من أنّ الدول الأوروبية تواجه صعوبات متزايدة في الاقتراض، مع ارتفاع عائدات سندات الخزينة إلى نحو 3.5% وقد تبلغ 4%، ما قد يرفع كلفة الدين إلى نحو 120 مليار يورو خلال السنوات الثلاث المقبلة.
ونبّه إلى أنّ التأثير لا يقتصر على الطاقة والتمويل، بل يمتدّ إلى قطاع السياحة الذي يُتوقع أن يتكبّد خسائر كبيرة نتيجة ارتفاع تكاليف النقل. وعدّ فرنسا وإسبانيا وإيطاليا واليونان من أبرز الوجهات المتضرّرة. وأضاف أنّ الشركات تميل حالياً إلى التريّث وتأجيل قراراتها الاستثمارية، ما يُعمّق حالة الجمود الاقتصادي.
وفي حال توسّع التوتر ليشمل إغلاق مضيق باب المندب، رأى الساري أنّ التداعيات قد تتفاقم بشكل حادّ، مشيراً إلى أنّ نحو 1.5 مليون برميل من النفط السعودي يمكن أن يُعاد توجيهه عبر هذا الممرّ بدلاً من هرمز، غير أنّ التهديدات الأمنية واستهداف البواخر تضع هذا المسار أيضاً في دائرة الخطر.
ولفت إلى أنّ باب المندب لا يقتصر دوره على نقل النفط والغاز، بل يُشكّل شرياناً حيوياً لنقل البضائع والأفراد، وأيّ اضطراب فيه سيؤدي إلى:
- تعطيل التجارة العالمية ونقص في الإمدادات.
- فرض سياسات ترشيد استهلاك الوقود، خصوصاً في آسيا.
الصين "مصنع العالم" في قلب المعادلة
وأوضح الساري أنّ الصين تقف في قلب هذه المعادلة بوصفها "مصنع العالم"، إذ إنّ أي ارتفاع في كلفة إمداداتها سينعكس مباشرة على أسعار السلع المصدَّرة منها، ما يُفاقم الضغوط التضخمية عالمياً ويطال بشكل خاصّ أوروبا والدول النامية، خصوصا في إفريقيا.
وأشار إلى عامل "التشابك الإنتاجي" العالمي، حيث لم تعد السلع تُصنَّع في بلد واحد بل تعتمد على مكوّنات من دول متعدّدة. وعليه، فإنّ أيّ اضطراب في الممرّات البحرية ينعكس سريعاً على سلاسل الإنتاج ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار واختلال الأسواق.
البديل الروسي: بين الحاجة الأوروبية والسقف السياسي
وحول مسألة تعويض النفط الروسي، اعتبر الساري أنّ أوروبا تواجه إشكالية معقّدة، إذ أعلنت بوضوح نيّتها وقف استيراد النفط من روسيا ضمن العقوبات المرتبطة بالحرب. ولفت إلى أنّ بعض الدول تسعى لتنويع مصادرها، كإيطاليا التي عزّزت تعاونها مع الجزائر، فيما تبرز سيناريوهات غير مباشرة كاستيراد نفط عبر وسطاء كالصين قد يكون مصدره الأصلي روسياً.
وأضاف أنّ بعض دول شرق أوروبا، كبلغاريا وبولندا وهنغاريا، لا تزال مرتبطة جزئياً بالبنية التحتية الروسية عبر الأنابيب المارّة بأوكرانيا، لكنّ التوترات السياسية تُصعّب توسيع هذا المسار.
غير أنّ الساري رجّح أنّ المعادلة قد تتغيّر إذا بلغ سعر النفط مستويات تقارب 200 دولار للبرميل، إذ قد تجد بعض الدول الأوروبية نفسها مضطرّة إلى تأجيل وقف الاستيراد الروسي لتفادي صدمات اقتصادية واجتماعية قاسية. وأشار إلى بوادر هذه الضغوط من خلال:
- لجوء حكومات إلى إجراءات تقشّفية وتوجيهات للمواطنين بتقليص استهلاك الطاقة.
- تعقّد مسألة دعم الأسعار في ظلّ ضعف الميزانيات وارتفاع الدين العام.
- توقّع تزايد الضغوط الشعبية والمطالبات بتدخّل الدولة.
وخلص الساري إلى أنّ القرار الأوروبي يبقى محكوماً بسقف سياسي واضح، إذ تُدرك الدول أنّ عائدات روسيا من صادرات الطاقة تُموّل قدراتها العسكرية. لذلك، فإنّ أيّ تراجع عن سياسة تقليص الاستيراد سيظلّ محدوداً ومؤقتاً، ومحكوماً بحسابات دقيقة بين الكلفة الاقتصادية والاعتبارات الإستراتيجية.