فتحت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق بابًا اقتصاديًا جديدًا أمام سوريا، بعدما حملت الزيارة رسائل سياسية واضحة، لكنها جاءت أيضًا محملة بملفات استثمارية واسعة تمس قطاعات النقل والطاقة والموانئ والصحة والبنية التحتية.
وتبدو الزيارة، في جانبها الاقتصادي، محاولة فرنسية مبكرة لحجز موقع داخل مرحلة إعادة الإعمار السورية، خصوصًا مع اصطحاب ماكرون وفدًا من كبار رجال الأعمال وممثلي الشركات الفرنسية، في خطوة تعكس أن باريس لا تريد الاكتفاء بالدور السياسي، بل تسعى إلى تحويل الانفتاح على دمشق إلى شراكات اقتصادية على الأرض.
فرنسا تدخل من بوابة إعادة الإعمار
أبرز ما حملته الزيارة، كان وضع ملف إعادة الإعمار في صدارة النقاشات بين الجانبين، مع طرح مجالات واسعة للتعاون تشمل تحديث المطارات والملاحة الجوية، وتطوير شبكات الكهرباء والمياه، ودعم المستشفيات الجامعية، وتعزيز البنية الرقمية، إلى جانب بحث فرص الاستثمار في الصناعات الغذائية والخدمات الأساسية.
بالنسبة لفرنسا، تمثل هذه المرحلة فرصة اقتصادية وسياسية في الوقت نفسه، إذ تمنح شركاتها موطئ قدم مبكرًا في سوق إعادة إعمار ضخم، بينما تمنح باريس دورًا مؤثرًا في صياغة علاقات سوريا الجديدة مع أوروبا.
اتفاقات لوجستية مع CMA CGM
في قطاع النقل واللوجستيات، برز اسم مجموعة CMA CGM الفرنسية بوصفها أحد أهم الأطراف الاقتصادية في الزيارة، بعدما وقعت اتفاق شراكة مع الجانب السوري يشمل إدارة عمليات الشحن الجوي في مطار دمشق الدولي، وتشغيل ميناءين جافين داخل سوريا.
ويحمل هذا الاتفاق أهمية خاصة لأنه لا يتعلق بخدمة محدودة، بل يمس قدرة سوريا على إعادة ربط اقتصادها بحركة التجارة الإقليمية والدولية، سواء عبر الموانئ أو المطارات أو نقاط التخزين والنقل الداخلي.
كما يأتي الاتفاق امتدادًا لتحركات سابقة للمجموعة الفرنسية في ميناء اللاذقية، حيث سبق أن جرى الاتفاق على استثمارات كبيرة لتطوير الميناء ورفع طاقته التشغيلية. وهذا يجعل قطاع الموانئ أحد أوضح مسارات الحضور الفرنسي في الاقتصاد السوري خلال المرحلة المقبلة.
الطاقة والتنقيب في الواجهة
لم يكن قطاع النقل وحده حاضرًا في الزيارة، إذ تقدمت الطاقة إلى مقدمة الملفات الاقتصادية، خصوصًا مع مشاركة الرئيس التنفيذي لشركة توتال إنرجيز باتريك بويانيه ضمن الوفد الفرنسي.
وتبحث الشركة الفرنسية الانتقال من مرحلة مذكرة التفاهم إلى عقد فعلي للتنقيب في منطقة بحرية سورية بالبحر المتوسط، وهي خطوة قد تفتح الباب أمام استكشافات جديدة في قطاع الطاقة السوري، خصوصًا أن المنطقة البحرية لا تزال أقل استكشافًا مقارنة ببعض مناطق شرق المتوسط.
ورغم أن هذا الطرح لا يزال في نطاق الرؤية الإستراتيجية أكثر من كونه مشروعًا مكتملًا، فإنه يوضح كيف تنظر الشركات الكبرى إلى سوريا باعتبارها موقعًا جغرافيًا قابلًا لاستعادة دوره في تجارة الطاقة الإقليمية.
وامتدت الاتفاقات الاقتصادية إلى قطاع الصحة والتعليم الطبي، من خلال مذكرة تفاهم بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي السورية وشركة Ellipse Projects SAS الفرنسية لتطوير المستشفيات الجامعية ومؤسسات التعليم الطبي.
ويعكس هذا الاتفاق، أن إعادة الإعمار لا تقتصر على الطرق والموانئ والكهرباء فقط، بل تشمل أيضًا القطاعات الخدمية التي تمس المواطنين مباشرة، خصوصًا المستشفيات والتعليم الطبي، وهي قطاعات تعرضت لضغوط كبيرة خلال سنوات الأزمة.
القطاع المالي واسترداد الأموال
على الجانب المالي، بدأت فرنسا وسوريا مسارًا لإعادة 51 مليون يورو إلى دمشق، وهي أموال مصادرة من رفعت الأسد.
وتحدثت التصريحات الرسمية عن تعاون محتمل في القطاع المالي والمصرفي، وهو ملف شديد الحساسية بالنسبة لسوريا، إذ تحتاج البلاد إلى إعادة بناء الثقة في النظام المالي، وتحديث البنية المصرفية، وتسهيل حركة التحويلات والاستثمار بعد سنوات من العزلة والعقوبات.
يشير ذلك إلى أن الجانب الفرنسي ينظر إلى إعادة بناء المؤسسات المالية، كجزء أساسي من أي عملية تعاف اقتصادي مستدام.
فرص كبيرة ومخاطر حاضرة
نجاح هذه الاتفاقات سيعتمد على قدرة دمشق على توفير بيئة مستقرة للشركات الأجنبية، وقدرة باريس على تشجيع القطاع الخاص الفرنسي على تحمل مخاطر الدخول المبكر إلى سوق لا تزال في مرحلة انتقالية.
لكن في المقابل، تبدو المكاسب المحتملة كبيرة. فسوريا تحتاج إلى إعادة بناء واسعة، وفرنسا تمتلك شركات كبرى في النقل والطاقة والبنية التحتية والصحة، ما يجعل المصالح بين الطرفين قابلة للترجمة إلى عقود طويلة الأجل إذا توافرت الثقة والاستقرار.