مُجبرة في ذلك لا مخيّرة، أقدمت الحكومة المصريّة على رفع سعر رغيف الخبز المدعوم بنحو 4 أمثال سعره الحالي، ليبلغ 20 قرشًا ابتداءً من أول يونيو المقبل، بدلًا من 5 قروش وهو السعر الذي ظل ملاصقًا لرغيف الخبز منذ 36 عامًا مضت، ولم تجرؤ الحكومات المتعاقبة على الاقتراب من المكوّن الأول والأساسيّ على طاولة المواطن المصريّ، "الخبز".
أسباب عديدة ساقتها الحكومة في مصر عن تحريك أسعار الخبز، ولعل أهم هذه الأسباب، ما ورد على لسان رئيس الحكومة مصطفى مدبولي، من أنّ الدولة تحملت أعباءً مالية متزايدة بصورة كبيرة جدًا خلال السنوات الماضية، حيث إنّ تكلفة رغيف الخبز هي 1.25 جنيه، بينما تبيعه الدولة بـ5 قروش، مشيرًا إلى أنّ الهدف اليوم، هو تقليص هذا الدعم بصورة قليلة، وأنّ كل ما تقوم به الحكومة هو الترشيد قليلًا من حجم الدعم المُلقى على عاتق الخزانة العامة للدولة، من أجل ضمان استدامة تقديم الخدمة والدعم، لافتًا إلى أنّ الدولة لا تزال تدعم كل رغيف خبز بـ105 قروش.
وفي تصريحات خاصة لمنصة "المشهد"، أوضح مستشار وزير التموين المصريّ للشؤون الاقتصادية والتجارية نعماني نصر، أنّ "سعر رغيف الخبز ظل ثابتًا عند 5 قروش ولم يتم تحريكه منذ عام 1988، أي ما يقارب الـ36 عامًا، وعلى الرغم من مرور مصر بالعديد من التحديات والأزمات طيلة هذه الأعوام، إلا أنّ الدولة ظلت تحافظ على هذا الدعم"، مشيرًا إلى أنه وحتى يتم الاستمرار في دعم المواطنين، وخصوصًا محدودي الدخل، وتقديم أفضل خدمة له في منظومة الدعم الغذائي سواء السلع التموينية أو سلع الخبز، كان لزاماً على المواطن أن يكون شريكًا مع الحكومة في تحمل جزء ولو بالقليل، في زيادة تحريك سعر رغيف الخبز".
وكشف نصر عن أنّ إنتاج مصر من الخبز بشكل يوميّ يتراوح ما بين 250 إلى 275 مليون رغيف، وأنّ تكلفة الرغيف الواحد على الدولة 125 قرشًا، وبالتالي فإنّ تحريك سعر الخبز إلى 20 قرشًا، يشير إلى أنّ الحكومة ما تزال تقدم دعمًا كبيرًا لرغيف الخبز، وتتحمل تكاليف إنتاجية تصل إلى 84%، لأنّ الدولة ستتحمل 105 قروش من كلفة كل رغيف يُنتج، والمواطن سيتحمل 16% فقط.
ثوابت حافظت عليها الحكومة
ولفت نصر إلى أنه في ظل رفع سعر رغيف الخبز، إلا أنّ الحكومة ستحافظ على مجموعة من الثوابت في هذا الصدد لصالح المواطنين، وذكر أنّ من أهم هذه الثوابت الآتي:
- بقاء وزن رغيف الخبز كما هو عليه "90" غرامًا من دون أيّ تقليل منه.
- عدم التغيير في حصة المواطن من الخبز في البطاقة التموينية، وهي 5 أرغفة في اليوم بواقع 150 رغيفًا في الشهر.
مستشار وزير التموين المصريّ أوضح أنّ الدولة تُنتج نحو 100 مليار رغيف سنويًا، بتكلفة مالية تبلغ 125 مليار جنيه، كاشفًا أنّ الدعم الذي سيتم توفيره من منظومة الخبز، سيوجه إلى أمور عديدة، منها تقديم زيادة للمزارعين في سعر أردب القمح الذي تقوم الدولة بشرائه منهم، حيث تأخذ الحكومة القمح من المزارعين بسعر 2000 جنيه بعد أن كان الموسم الماضي 1600 جنيه، إضافة إلى توجيه جزء من هذا الدعم إلى المنظومة التعليمية من خلال بناء المدارس وزيادة عدد الفصول المدرسية، وأيضًا دعم المنظومة الصحية والعلاجية داخل الدولة.
تحريك سعر الخبز "أمر حتمي"
ويستفيد نحو 71 مليون مواطن مصريّ من الخبز المدعم، ومقيدين على 23 مليون بطاقة تموينية، ويوجد نحو 30 ألف مخبز على مستوى الدولة، يخدمون كل هؤلاء المواطنين، لذلك يرى رئيس شعبة المخابز بالاتحاد العام للغرف التجارية عبد الله غراب، أنّ تحريك سعر رغيف الخبز أمر حتمي، خصوصًا أنه لم يشهد أيّ زيادة منذ عام 1988، وهو الأمر الذي تسبب في مضاعفة الأعباء على الدولة، وأقفلت كاهل الموازنة العامة، موضحًا في الوقت ذاته، أنّ الدولة تحملت الجانب الأكبر من دعم الخبز نيابة عن المواطنين طيلة الأعوام الماضية، بواقع 120 قرشًا في الرغيف.
وأضاف غراب لـ"المشهد" أنّ من أبرز أسباب تحريك سعر الخبز، هو ارتفاع أسعار القمح عالميًا، خصوصًا مع زيادة التوترات الجيوسياسية بين روسيا وأوكرانيا، باعتبارهما تستحوذان على نصيب الأسد من واردات مصر من القمح.
وبحسب غراب، فإنّ ثبات كلفة رغيف الخبز طيلة الأعوام الماضية، تسبب في مضاعفة الأعباء والمصروفات على أصحاب المخابز، نتيجة لزيادة متطلبات الإنتاج المختلفة خلال الفترات الماضية، والتي شهدت ارتفاعات كبيرة مع عدم قدرة أصحاب المخابز على الإيفاء بكل هذه المصروفات.
الخبز السياحي
قرار تحريك سعر رغيف الخبز المدعم أعقبه العديد من التساؤلات حول ارتفاع سعر الخبز السياحيّ في الأسواق كذلك، لكنّ رئيس شعبة المخابز بالاتحاد العام للغرف التجارية، أشار إلى أنّ سعر رغيف الخبز السياحيّ ليس له علاقة بسعر الخبز المدعم من قبل الحكومة، وبالتالي فلن يتم تحريك سعره في الوقت الحالي.
ويأتي قرار الحكومة المصرية بتحريك سعر رغيف الخبز بعد أيام قليلة من خطاب للرئيس عبد الفتاح السيسي، طلب فيه بتخفيف العبء عن الحكومة، في إشارة إلى الدعم الذي تقدمه الدولة للحفاظ على سعر الرغيف، مشيرًا إلى تكلفة دعم الرغيف الذي يباع بـ5 قروش، تبلغ 130 مليار.