في ظل أزمة جيوسياسية حادة، أصبحت العملات المشفرة أداة اقتصادية إستراتيجية حاسمة لإيران، خصوصا بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي خلال الضربات الجوية الأميركية-الإسرائيلية. يمثل هذا الحدث نقطة تحول في الاقتصاد الإيراني الذي يعاني عقوبات دولية طويلة الأمد، انهيار شبه كامل للريال الإيراني، وتضخم يتجاوز 40%، مما دفع النظام والمواطنين على حد سواء إلى اللجوء للأصول الرقمية كوسيلة للحفاظ على القيمة ونقل السيولة خارج الحدود.
شهدت أكبر بورصة إيرانية، نوبيتكس (Nobitex)، زيادة هائلة في التدفقات الخارجية بلغت 700% خلال دقائق من بدء الضربات، حيث غادرت حوالي 10.3 ملايين دولار في غضون 48 ساعة وفقاً لبيانات Chainalysis وElliptic (هما شركتان متخصصتان في تحليل وتتبع معاملات العملات المشفرة) منصات التداول المحلية باتجاه محافظ خارجية أو منصات دولية.
وبحسب محللي العملات المشفرة في الشركات السابقة إنه "حتى خلال انقطاعات الإنترنت، لوحظت بعض التدفقات إلى الخارج، ما يشير إلى أن البعض لديه إمكان الوصول إلى محافظ الأصول المشفرة حتى عندما يكون موقعها الإلكتروني غير متاح".
لجوء إيران للكريبتو
هذا الاعتماد الإيراني الجزئي على الكريبتو يشير إلى قدرة العملات المشفرة على العمل جزئيا كـ"نظام مالي موازٍ" و"صمام أمان" في أزمات الحروب والعقوبات. ففي عام 2025، بلغ حجم الاقتصاد المشفر الإيراني 7.78 مليارات دولار وفقاً لتقارير Chainalysis، مع نمو أسرع من السنوات السابقة. شكلت العناوين المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني أكثر من 50% من إجمالي التدفقات في الربع الأخير، وتلقت أكثر من 3 مليارات دولار خلال العام بأكمله. كما يستخدم حوالي 1 من كل 6 إيرانيين (أي نحو 14 مليون شخص) البيتكوين، وتمثل معاملاته السنوية 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي الإيراني.
وفي هذا السياق، تأثرت أسواق الكريبتو العالمية مع بداية الحرب بانخفاض مؤقت للبيتكوين إلى حوالي 63,000 دولار عقب الضربات، ثم تعافيه السريع فوق 68,000 دولار (وصل إلى أكثر من 68,196 دولارا في بعض التداولات)، حيث اعتبره المستثمرون ملاذاً آمناً وسط التوترات الجيوسياسية.
تقول خبيرة الاقتصاد الدولي سمر عادل في حديث إلى منصة "المشهد" إن "العملات المشفرة مثل البيتكوين تحولت إلى ما يشبه نظامًا مصرفيًا موازيًا لإيران نتيجة عزلها عن النظام المالي العالمي، خصوصا بعد القيود المرتبطة بشبكة سويفت والعقوبات الأميركية. هذا الوضع دفعها إلى استخدام البلوك تشين كقناة لنقل الأموال بعيدًا عن الرقابة، سواء لتمويل الواردات أو تسوية صفقات النفط أو دعم عمليات عسكرية خلال فترات التصعيد. وبذلك، لم تعد المعاملات تمر عبر بنوك تقليدية يمكن تعقبها أو تجميدها، بل عبر شبكة لا مركزية توفر سرعة ومرونة، مما جعل الكريبتو بمثابة بنك مركزي غير رسمي".
بدوره يشرح أستاذ الاقتصاد السياسي كريم العمدة لـ"المشهد" أن "الأمر لا يقتصر على إيران فقط، بل يشمل أيضًا فنزويلا وكوريا الشمالية، فكل دولة تخضع لعقوبات تلجأ إلى نظام البيتكوين. ومن ثم، يمكن لإيران أن تستخدمه حتى في مبيعات النفط، فقد كانت تعتمد على طريقتين:
- استخدام اليوان الصيني، وهو أيضًا خاضع للرقابة وليس مخفيًا بالكامل.
- استخدام العملات المشفرة، وهي التي توفر درجة عالية من التخفي، حيث يمكن من خلالها الاستلام والتحويل وتسييل الأموال دون إمكانية تتبعها بسهولة.
البتكوين في صدارة العملات المشفرة
تلجأ إيران إلى استخدام البتكوين على نحوٍ خاص بين العملات المشفرة، نظرًا لما يتمتع به من خصائص تجعلها الأكثر ملاءمة لظروف العقوبات الاقتصادية. فالبيتكوين يعد العملة الرقمية الأكثر انتشارًا وقبولًا على المستوى العالمي، ما يسهل استخدامه في المعاملات الدولية غير الرسمية مقارنةً بغيره من العملات الأقل شهرة.
كما يتميز بسيولة مرتفعة تتيح تحويله بسرعة إلى نقد أو إلى عملات أخرى، وهو أمر حيوي لدولة تسعى إلى إدارة تدفقات مالية كبيرة خارج النظام المصرفي التقليدي. إضافةً إلى ذلك، يقوم البيتكوين على شبكة لامركزية لا تخضع لسيطرة أي جهة مركزية، مما يجعل من الصعب فرض قيود مباشرة عليه أو تعطيله، وهو ما يمنح إيران هامشًا أوسع لتجاوز القيود المفروضة عليها. وقد عززت إيران هذا التوجه من خلال الاستثمار في عمليات تعدين البيتكوين للاستفادة من موارد الطاقة لديها، والحصول على العملة من دون الحاجة إلى المرور بالقنوات المالية الخاضعة للرقابة الدولية.
ورغم وجود عملات مشفرة أخرى قد توفر مستويات أعلى من الخصوصية، فإن محدودية انتشارها وضعف سيولتها يجعلانها أقل جدوى في الاستخدامات الواسعة، وهو ما يفسر تفضيل البيتكوين، وفقا لمحللي العملات المشفرة.
في هذا السياق يؤكد العمدة أنه "في الأصل، كان استخدام البيتكوين مقتصرًا على الأفراد حتى وقت قريب، لكن بدأت الدول والمؤسسات في استخدامه لاحقًا، وقد ازداد الاعتماد على العملات المشفرة بعد فرض العقوبات على روسيا، حيث أنشأت روسيا نظامًا وشبكة للتعامل بها، وبدأت في نقل خبراتها إلى الدول الحليفة مثل إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا وغيرها".
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار نظام العملات المشفرة نموذجًا يُحتذى به للدول الأخرى بحسب العمدة، نظرًا لعدم استقرار أسعاره، فالبيتكوين، على وجه الخصوص، يتميز بتقلب كبير في قيمته، وربما تكون العملات الرقمية المرتبطة بالدولار هي الأكثر استقرارًا، إذ تعادل كل وحدة منها دولارًا واحدًا.
وفي هذا السياق، يوضح العمدة مثالًا قائلاً: إذا بلغت حمولة السفينة مليوني برميل، فإنها تدفع مليوني دولار، وإذا كانت مليون برميل، فتدفع مليون دولار، أي بمعدل دولار واحد لكل برميل. كما تُمنح السفن خيار سداد هذه الرسوم باستخدام البيتكوين أو غيره من العملات المشفّرة، مقابل السماح لها بالمرور.
تحديات استخدام الكريبتو في إيران
في وقت سابق من هذا العام، أفادت صحيفة "فايننشال تايمز" بأن إيران عرضت صواريخ باليستية وطائرات مسيرة وأنظمة تسليح متطورة أخرى للبيع، مقابل السداد بعملات مشفّرة.
ورغم هذا التوجه، لا تزال إيران تواجه العديد من المعوقات والتحديات عند استخدام العملات المشفرة، إذ لا يمكن اعتبارها بديلاً اقتصادياً آمناً أو نظاماً مالياً موازياً مكتمل البنية.
فعلى الرغم من التوسع في اعتمادها، تبرز تحديات جوهرية، أبرزها تصاعد قدرات المراقبة الدولية للمعاملات الرقمية، حيث تعمل جهات متخصصة مثل Chainalysis وElliptic على تتبع حركة الأموال عبر شبكات البلوك تشين بدقة متزايدة، ما يحد من فعالية استخدام هذه الأصول في الصفقات الكبيرة، خصوصا عند الحاجة إلى تحويلها إلى عملات تقليدية أو أصول مادية.
كما تعاني العملات المشفّرة تقلبات سعرية حادة، ما يجعل الاعتماد عليها في التسويات التجارية طويلة الأجل أمراً معقداً، رغم أن العملات المستقرة قد تقدم بديلاً نسبياً، فإنها لا تخلو من المخاطر.
تؤيد ذلك المحللة الاقتصادية سمر عادل قائلة: "يظل هذا النموذج محدودًا بسبب ضعف السيولة، وصعوبة استيعاب حجم التجارة العالمية بالكامل عبر الكريبتو، إضافة إلى إمكانية تتبع بعض العمليات. لذا، هو نموذج مساعد وليس بديلًا كاملًا للنظام المالي التقليدي".
وترجح عادل "أن تستمر إيران في استخدام العملات المشفرة حتى بعد التهدئة، لكن بشكل أكثر تنظيمًا واندماجًا في سياساتها الاقتصادية. فقد أثبتت هذه الأدوات فعاليتها في تجاوز القيود الخارجية، ما يجعلها جزءًا دائمًا من إستراتيجيتها الاقتصادية، خصوصا ضمن مفهوم "الاقتصاد المقاوم".
ومع ذلك، قد تتجه إيران إلى فرض رقابة أكبر أو تطوير عملة رقمية سيادية لضمان السيطرة وفقا لعادل، مع الإبقاء على الاستخدام غير الرسمي في المعاملات الحساسة، مما يعكس تحول الكريبتو من أداة طارئة إلى ركيزة طويلة الأمد في الاقتصاد الإيراني".