في حرب صامتة، لكنها ممنهجة ومدمرة، تواصل الثروة الحيوانية في الضفة الغربية نزيفها المتسارع على يد عصابات المستوطنين الإسرائيليين، الذين يحولون مراعي الفلسطينيين إلى مقابر جماعية للماشية،.
وفي مشهد يتكرر يومياً، يُعدم المئات من رؤوس الغنم إما بالرصاص الحي المباشر، أو بالدهس المتعمد بالجرافات، أو بأساليب أكثر بشاعة كالتسميم عبر إلقاء المواد السامة في آبار المياه والمراعي، وبينما ترزح القطعان تحت وطأة هذه الهجمات، تخسر العائلات الفلسطينية مصدر رزقها الوحيد.
الأرقام وحدها قد لا تعبر عن حجم الكارثة، ولكنها تكشف عن منظومة ممنهجة، فخلال العام المنصرم، سُرق أكثر من 12 ألف رأس من الماشية على يد المستوطنين، بينما تم إعدام وتدمير آلاف الرؤوس الأخرى، ومنذ مطلع العام الحالي، أضيفت آلاف رؤوس الأغنام والأبقار إلى قائمة المسروقات، في إحصاءات رسمية تعكس التحول من اعتداءات فردية إلى ظاهرة منظمة تحظى بحماية الجيش الإسرائيلي.
الخسائر لم تقتصر مؤخراً على الجانب العددي، بل امتدت إلى تدمير ممنهج لوسائل الإنتاج، حيث تم اقتلاع وحرق الأشجار المثمرة، وتدمير مئات المنازل والمنشآت الزراعية.
ووفق شهادات حية لـ"المشهد" من مزارعين فلسطينيين، فإن "هذه الهجمات تتم بتنسيق كامل بين المستوطنين والجيش الإسرائيلي، الذي ينتشر ليمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم أو إنقاذ مواشيهم"، ويضيف مزارع آخر، "الجيش الإسرائيلي يشارك في أغلب الأحيان بإطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي لتأمين عمليات التخريب"، كل هذا المشهد الميداني المتصاعد، يجعل الثروة الحيوانية في الضفة الغربية على حافة الانهيار الكامل.
سلاح التسميم يفتك بالقطعان
من بين الأساليب المتطورة التي يستخدمها المستوطنون، يبرز "سلاح التسميم" كأخطرها وأكثرها فتكاً بالثروة الحيوانية، ففي قصة تعكس واقعاً يومياً يعيشه الرعاة، يستيقظ منصور برقان من بلدة بيرين شرق مدينة الخليل ليجد قرابة 30 رأساً من أغنامه قد ماتت فجأة، ليكتشف أن المستوطنين قاموا بتسميم مياه الشرب أثناء غيابه.
ويؤكد برقان لمنصة "المشهد"، "هذه ليست المرة الأولى التي يستهدف فيها المستوطنون مواشيه، مشيراً إلى أنهم يمنعونهم من الرعي في مساحات شاسعة من الأراضي المحيطة، وأن كل من يذهب إلى هناك يخاطر بإطلاق النار عليه أو الاعتقال أو الضرب المبرح"
وفي حالة مماثلة، تعرض فادي الحلو لصدمة مماثلة، عندما وجد أغنامه ميتة بعد قيام المستوطنين بقتلها بمواد سامة في منطقة الرعي ببلدة حزما قرب مدينة القدس، ويؤكد الحلو لـ"المشهد"، أن "الانتهاكات والاعتداءات على المزارعين وأصحاب الثروة الحيوانية يقف خلفها مخطط إسرائيلي واضح يهدف إلى تجريد آلاف الرعاة والمزارعين من مقومات صمودهم، ودفعهم قسراً إلى ترك أراضيهم لصالح التوسع الاستيطاني".
هذه الحوادث ليست استثنائية، بل جانب مما يتعرض لها آلاف الرعاة، حيث تسجل يومياً في مناطق متفرقة من الضفة الغربية حالات نفوق جماعي للمواشي نتيجة تناول أغذية أو مياه مسمومة، في محاولة ممنهجة لإفراغ المناطق الريفية من سكانها البدو والرعاة، وتكشف منظمات حقوقية أن هذه العمليات تتم غالباً تحت غطاء الليل، وبمساعدة من الجيش الإسرائيلي الذي يغلق الطرق ويمنع وصول المساعدة إلى القرى المستهدفة.
لكن التسميم ليس الأسلوب الوحيد الذي يستخدمه المستوطنون، يروي سليم نصار، من قرية مادما قرب مدينة نابلس، لمنصة "المشهد"، كيف هاجمه مستوطنون ملثمون وهم يحملون السكاكين، وقاموا بذبح رؤوس من أغنامه بطرق وحشية شملت سلخ بعضها وقلع عيونها، ويضيف نصار قائلاً، "هذه الأفعال والسياسات ممنهجة ضدي وضد كل الفلسطينيين خصوصًا المزارعين لاقتلاعنا من أرضنا، وعلى ما يبدو الأيام المقبلة ستحمل لنا المزيد من الاعتداءات، في ظل الأوضاع العصيبة التي نمر بها".
السرقة المنظمة
تحولت سرقة المواشي في الضفة الغربية من حوادث فردية إلى ظاهرة منظمة ومنتشرة، تحظى بحماية مباشرة من القوات الإسرائيلية، حيث تعرض أبو يزن شحادة في قرية عين يبرود قرب مدينة رام الله، لسرقة قطيعه بأكمله الذي يضم نحو 90 رأساً من الغنم، بعد أن اقتحم المستوطنون مزرعته فجراً باستخدام أدوات لقطع السياج وتدمير كاميرات المراقبة، مقدراً خسارته بأكثر من 60 ألف دولار.
من جانبها، تصف زوجته أم يزن الحادثة بالكارثة وتقول لمنصة "المشهد"، "كان القطيع مصدر دخلنا الوحيد، نحن الآن بلا دخل مادي، بفعل هذه السرقة العلنية، فلا رادع لهذه العصابات، التي أتت على رزقنا، فتلك الأغنام لم تكن مجرد رزق، لقد ربيناها لسنوات، وخسارتها أشبه بفقدان جزء من حياتيا اليومية".
وفي هذا السياق، تؤكد الهيئات الحقوقية أن هذه السرقات لم تعد تقتصر على بضع رؤوس، بل أصبحت تشمل قطعانًا بأكملها، يسرد إياد عابد لمنصة "المشهد" تعرضه للضرب المبرح من قبل عشرات المستوطنين الذين هاجموا منزله في قرية قريوت قرب مدينة نابلس، وقاموا بسرقة قرابة 5 أحصنة تحت أنظار القوات الإسرائيلية، يقول عابد إن تلك القوات، "فرضت حصاراً على مداخل القرية في اليوم ذاته، وأتاحت الفرصة لعصابات المستوطنين لتنفيذ عشرات الاعتداءات والسرقات".
الاستيطان الرعوي يلتهم الأراضي
من الواضح أن الاعتداء على الثروة الحيوانية ليس هدفاً نهائياً، بل أداة ضمن إستراتيجية شاملة تهدف إلى دفع الفلسطينيين قسراً إلى ترك أراضيهم.
يكشف أمير داوود، مدير عام النشر والتوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، لمنصة "المشهد"، بأنه "يوجد أكثر من 70 بؤرة استيطانية رعوية أقيمت على أراضي الضفة الغربية، تعمل على ربط المستوطنات غير الشرعية ببعضها البعض، وعزل التجمعات الفلسطينية عن بعضها، وفصل السكان الفلسطينيين عن الموارد الطبيعية، وتهجيرهم قسراً".
ويؤكد داود خلال حديثه لـ"المشهد"، أن "تجريد الفلسطينيين من طبيعتهم الرعوية وإجبارهم على التخلي عن مواشيهم هو أخطر ما يحدث في الضفة الغربية، لأنهم يعتمدون عليها بشكل رئيسي في معيشتهم، مما يعني بقاءهم على أرضهم، وبالتالي إقامة البؤر الاستيطانية الرعوية يعني حرمان الفلسطينيين من المراعي وإجبارهم على رعي مواشيهم فقط حول منازلهم، حيث غالباً ما تكون مصادر الغذاء غير متوفرة، مما يضطرهم في كثير من الحالات إلى بيعها للتخلص من هذا العبء، وهو ما يشكل الخطوة الأولى في خطة التهجير".
وأضاف لـ"المشهد" أنه نزح مؤخراً مئات الفلسطينيين من عشرات التجمعات البدوية والرعوية في الضفة الغربية، "بسبب عنف المستوطنين وقيود الحركة، كما أجبرت انتهاكات المتسوطنين مئات العائلات الفلسطينية على تفكيك منازلها وترك قراها، بعد تعرضها لاعتداءات متكررة ومضايقات يومية استمرت لأسابيع، وهذا هو جوهر المخطط، إفراغ الأرض من سكانها الأصليين لتمهيد الطريق أمام الضم والتوسع الاستيطاني".
(المشهد- القدس)