في منعطف دراماتيكيّ، وتطور لافت واستثنائيّ، انكشفت في الأيام الأخيرة مواجهة حادّة بين المستوى السياسي الإسرائيلي بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، وبين القيادة العسكرية ممثلة بهيئة الأركان ووزير الدفاع، فبينما يصرّ نتانياهو على مواصلة العمليات العسكرية في جنوب لبنان دون أفق سياسيّ واضح، يتهمه كبار الضباط بالتقصير وعدم اتخاذ قرارات حاسمة قد تؤدي إلى "اختراق سياسي" يمنع الانزلاق إلى مستنقع طويل الأمد، فما حقيقة هذه الأزمة؟ وهل تعكس فشلاً إستراتيجياً إسرائيلياً في جبهة لبنان؟
ملامح السجال
تجذّرت الأزمة قبل أسبوعين، عندما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مصادر في مكتب نتانياهو اتهامات ضمنية للجيش "بالتقاعس" و"عدم بذل الجهد الكافي" لإلحاق هزيمة "بحزب الله"، ملمحين إلى أن القيادة العسكرية تفضل التهدئة على تحقيق نصر حاسم.
لكن الرد جاء سريعاً وحاسماً من جهات عسكرية رفيعة، ففي تسريبات للقناة 12 الإسرائيلية التي تنفرد بتسريبات سياسية وتقارير أمنية، نقل مسؤول كبير في هيئة الأركان في جلسة مغلقة، بأن "الجيش ليس متردداً، لكننا بحاجة إلى قرار سياسي لإنهاء القتال من موقع قوة، لا يمكننا الاستمرار في تدمير قرى الجنوب وقتال "حزب الله" دون خطة خروج، من يريد اختراقاً فعليه أن يقدم بديلاً سياسياً".
ومن هناك، تحوّل الخلاف إلى سجال علنيّ غير مسبوق، ففي مؤتمر صحفي عقده نتانياهو قبل أيام، قال متحدياً، "أتوقع من الجيش أن يقدّم إنجازات ميدانية، لا أن يملي على الحكومة شروطاً سياسية، نحن في حرب وجود، وسنواصل الضرب بيد من حديد".
بالتزامن تسرّب إلى صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن مصادر عسكرية، أن رئيس الأركان إيال زامير صرح في اجتماع المجلس الوزاريّ المصغر قائلاً، "أنا مسؤول عن حياة الجنود الذين يخوضون قتالاً شاقاً في جنوب لبنان، لا أستطيع إرسالهم إلى مهمة مفتوحة النهاية، الحكومة إما أن تحدد هدفاً قابلاً للتحقيق، أو أن تقرر وقفاً للقتال مع تفاهمات سياسية".
الاختراق السياسي للجبهة اللبنانية
أفاد المحلل السياسي الإسرائيلي إلحنان ميلير، خلال حديثه لمنصة "المشهد"، بأن "مصطلح الاختراق السياسي الذي يطلبه قادة الجيش من حكومة نتانياهو لا يعني بالضرورة اتفاقاً شاملاً أو سلاماً تاريخياً مع لبنان أو "حزب الله"، بل يعني ترتيبات ميدانية ودبلوماسية محددة تهدف إلى إنهاء القتال من موقع قوة، مع تجنب حرب استنزاف طويلة".
وأضاف ميلير أن المطلب العسكري الإسرائيلي يرتكز على 3 محاور رئيسية، وفقاً للمعطيات والتسريبات المتناقلة في إسرائيل:
- أولاً: بلورة مبادرة دبلوماسية واضحة بالتنسيق مع الولايات المتحدة وفرنسا، تهدف إلى إبعاد "حزب الله" إلى شمال نهر الليطاني، وفقاً للقرار الدولي 1701، وهذا يعني عملياً انسحاب قوات الرضوان إلى مسافة لا تقل عن 20 إلى30 كيلومتراً عن الحدود بين الجانبين.
- ثانياً: وقف التصعيد العسكري التدريجي مقابل تفاهمات غير مباشرة عبر وساطة أممية أو أميركية، تُمنح إسرائيل شريطاً أمنياً معترفاً به دولياً في جنوب لبنان، دون الحاجة إلى احتلال بري دائم.
- ثالثاً:رفض التورط في احتلال بري واسع داخل العمق اللبناني، لأن الجيش الإسرائيلي يقدر، وفقاً لتقرير أعدته شعبة الاستخبارات العسكرية" أمان،" أن تكلفة مثل هذا السيناريو ستكون باهظة، مع خسائر بشرية محتملة تتراوح بين 300 إلى 500 قتيل إسرائيلي على الأقل، إضافة إلى تدمير مئات الدبابات والعربات المدرعة الثقيلة".
وفي السياق ذاته، يوضح المحلل العسكري الإسرائيل يسرائيل حسون لمنصة "المشهد" أنه "من وجهة النظر الإسرائيلية، فإن الاختراق السياسي المرغوب هو مزيج من نزع السلاح، والمناطق العازلة، والضمانات الدولية، مع إبقاء الخيار العسكري على الطاولة كأداة ضغط، الجيش يريد مخرجاً، لكن السياسيين يريدون استمرار الضغط، وهما وجهان لعملة إسرائيلية واحدة".
وقال حسون "أعتقد أن الجيش لا يطلب استسلاماً من "حزب الله"، بل يريد نهاية قابلة للبيع للجمهور الإسرائيلي، أي إبرام اتفاق يسمح بعودة آلاف النازحين الإسرائيليين إلى الشمال مع توفير الأمن وشعورهم بالأمان، وعدم ترك الجنود في مستنقع قتال مفتوح".
واستنتج الخبير العسكري الإسرائيلي أن، "رفض رئيس الوزراء نتانياهو لمسار الاختراق السياسي مع لبنان، كونه يعتقد أنه سيُقرأ في الداخل الإسرائيلي على أنه تراجع تحت الضغط، أو هزيمة، خصوصًا بعد وعوده بتحقيق نصر ساحق على "حزب الله"، كما أن نتانياهو يخشى من أن أيّ تفاهم مع لبنان سيؤدي إلى شرخ داخل حكومته، حيث يصرّ وزراء اليمين المتطرف مثل سموتريتش وبن غفير على مواصلة الحرب حتى القضاء على "حزب الله".
من وجهة نظر حسون حول الاختراق السياسي الذي يريده الجيش الإسرائيلي، "في جوهره مخرج ذكي من حرب لا نهاية واضحة لها، فيما يصرّ نتانياهو على أن القوة الميدانية العسكرية فقط هي التي ستجبر "حزب الله" على القبول بالشروط الإسرائيلية دون تنازلات سياسية، وهذا التناقض هو ما يعيق أي تقدم نحو حل".
أزمة إسرائيل العسكرية في لبنان
بيَّن الخبير بالشؤون الإسرائيلية فراس ياغي، لمنصة "المشهد" بأنّ "السجال المكشوف بين نتانياهو والجيش الإسرائيلي يكشف عن أزمة إستراتيجية عميقة في قلب المؤسسة الإسرائيلية، وتعكس وصول الحرب على جبهة لبنان إلى طريق مسدود، فمن خلال المطالبة باختراق سياسي، يعترف الجيش الإسرائيلي بعجزه الميداني عن تحقيق نصر حاسم على "حزب الله"، ويدرك أنه وقع في فخ حرب استنزاف، لا طاقة له بها على جبهتين متزامنتين".
ولفت الخبير بالشؤون الإسرائيلية إلى أن، "إصرار نتانياهو على مواصلة العمليات العسكرية في الجنوب اللبناني، ليس لأنه يرى فيها طريقاً للنصر، بل لأنه يريد كسب الوقت وإرضاء حلفائه في اليمين المتطرف، وتجنب انهيار حكومته التي باتت مهدّدة من الداخل، حيث إن الخطر الحقيقي على إسرائيل لا يأتي فقط من "حزب الله"، بل من هذا الانقسام العلني بين قادتها العسكريين والسياسيين، وهو انقسام يقرؤه "حزب الله" وإيران كفرصة ذهبية لتعزيز موقفهما التفاوضي ورفع سقف مطالبهما".
وقال "هذا المشهد يجعل إسرائيل في موقع من يبحث عن مخرج آمن من مستنقع حرب أوقعت نفسها فيه، وليس من منطلق وموقع قوة تهدد به، وأي ختراق سياسي سيأتي في النهاية بشروط أقل مما كانت تطمح إليه، وليس على طريقة النصر الساحق الذي يروج له نتانياهو".
(المشهد)