في تصعيد دبلوماسي نادر وغير مسبوق، حوّلت إسرائيل خلافاتها المتراكمة مع أوروبا من مجرد سجالات سياسية ومواقف تصويتية في المحافل الدولية، إلى إجراءات عقابية ملموسة ونافذة على الأرض، انطلقت بطردها الفوري لممثلي إسبانيا وهولندا من "مركز الدعم الدولي لغزة"، لتليها تهديدات علنية وغير مستبعدة بطرد نظرائهم البريطانيين، وربما الألمان، من هذا المقر الحيوي الذي يُشرف على تطبيق وقف إطلاق النار في القطاع، ويضم قادة عسكريين من عدة دول، ويعتبر أحد أهم آليات التنسيق الأمني متعدد الأطراف في المنطقة.
رسائل إلى أوروبا والعالم
غير أن هذه الإجراءات الإسرائيلية، لم تكن مجرد رد فعل عابر، بل حملت في طياتها رسائل متعددة إلى أوروبا والعالم، وكشفت عن تحول في إستراتيجية تل أبيب تجاه حلفائها التقليديين.
وهكذا، تأتي هذه الخطوة في توقيت بالغ الحساسية، إذ تخوض إسرائيل حرباً على جبهات عدة، بينما تتصاعد الانتقادات الأوروبية لسياسات التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، مدفوعة بقوانين أوروبية تُقيد التعامل مع المستوطنات، وتهديدات بفرض عقوبات على مسؤولين إسرائيليين، وهو ما اعتبرته تل أبيب تجاوزاً "للخط الأحمر".
ولعل ما يزيد المشهد تعقيداً وإثارة للدهشة، هو أن هذه العقوبات تطال دولاً لعبت أدواراً محورية في دعم إسرائيل لعقود، وفي مقدمتها بريطانيا وألمانيا، اللتان كانتا تعتبران حتى الأمس القريب من أبرز حلفائها في الغرب، ودعماها تاريخياً في المحافل الدولية، وهذا التوجه العقابي يطرح بقوة سؤالاً مصيرياً، هل نحن أمام انهيار وشيك في العلاقات التاريخية بين تل أبيب وعواصم أوروبا، أم أن هذه مجرد أزمة عابرة ستسرع واشنطن لاحتواء تداعياتها، قبل أن تنسف آليات التنسيق الأمني في غزة وتُحدث شرخاً إستراتيجياً في العلاقات الغربية الإسرائيلية؟
تداعيات طرد الحلفاء الأوروبيين
أشار المحلل السياسي الإسرائيلي يوآف شتيرن لمنصة "المشهد" أن "تداعيات طرد ممثلي دول مثل بريطانيا وهولندا وإسبانيا من مركز الدعم الدولي لغزة لن تقتصر على الإساءة الدبلوماسية العابرة، بل الضرر سيطال الأجيال الإسرائيلية في العلاقات الإسرائيلية الأوروبية".
وتابع:
- هولندا، على سبيل المثال، ليست مجرد دولة صغيرة، بل هي لاعب مؤثر في الاتحاد الأوروبي، وطردها من المركز يعني خسارة إسرائيل لنفوذها في بروكسل، حيث تستطيع هولندا جر دول أخرى خلفها في مواقفها المناهضة لإسرائيل.
- أما بريطانيا، التي تحتل المرتبة الثانية في الوفد الدولي بعد الولايات المتحدة، فإن طردها سيُحدث فراغاً في هرم القيادة الميداني، ويُعقّد عمل آليات التنسيق الأمني في غزة، الحكومة الإسرائيلية الحالية تراهن على مكاسب انتخابية عبر الشجارات العامة مع أوروبا، وتترك للحكومة القادمة مهمة شبه مستحيلة لإصلاح ما أفسدته العلاقات، وترسل رسالة سلبية إلى العالم مفادها أن إسرائيل لم تعد تفرق بين الحليف والخصم، وأي نقد سيقابل بإجراء عقابي، وهذا سيعزز عزلة إسرائيل الدبلوماسية.
في المقابل، يعتبر الخبير السياسي الإسرائيلي كوبي لافي خلال حديثه لمنصة "المشهد" أن "تداعيات طرد الممثلين الأوروبيين، محدودة الأثر ولا تهدد جوهر التحالفات الإستراتيجية مع الدول الكبرى مثل بريطانيا وألمانيا، فالخطوة تحمل طابعاً سياسياً داخلياً أكثر منه إستراتيجياً.
وقال لافي إن:
- الحكومة الإسرائيلية التي هي في فترة حساسة قبل الانتخابات، تستخدم الشجارات مع أوروبا كورقة رابحة لكسب أصوات اليمين المتشدد، فالتصعيد العلني مع عواصم أوروبية يعزز صورة نتانياهو المدافع عن السيادة في مواجهة العالم، أعتقد أن التهديد بطرد ألمانيا غير صحيح، وإسرائيل تميز بين دول مثل هولندا وإسبانيا التي اتخذت خطوات معادية مثل قانون مقاطعة المستوطنات، وبين ألمانيا التي تُعد خطاً أحمر في السياسة الخارجية الإسرائيلية.
- أما بريطانيا، فالتهديد بطردها يظل مفتوحاً كأداة ضغط في حال مضت قدماً في عقوباتها، لكنه ليس حتمياً، الهدف الأساسي من هذه الإجراءات هو الردع، أي إرسال رسالة واضحة لأي دولة أوروبية تفكر في فرض عقوبات على إسرائيل بأن الثمن سيكون باهظاً، دون أن تُحدث شرخاً إستراتيجياً في العلاقات مع الحلفاء الحقيقيين.
مصير العلاقات الإسرائيلية الأوروبية
يؤكد المحلل السياسي الإسرائيلي يوآف شتيرن لـ"المشهد"، أن "طرد الممثلين الأوروبيين ليس مجرد دليل على تدهور العلاقات، بل هو عامل مسرع لهذا التدهور، قد يحوله من أزمة سياسية عابرة إلى قطيعة إستراتيجية لا رجعة فيها، فتوقيت هذه الخطوة كارثي بامتياز، إذ تأتي في وقت تخوض فيه إسرائيل حرباً على سبع جبهات، وبدلاً من حشد الدعم الغربي، تُقدم على إقصاء حلفاء أساسيين من آليات التنسيق الأمني، مما يُضعف التنسيق الميداني ويُعقد مهمة المراقبة الدولية لوقف إطلاق النار، فالعلاقات بين إسرائيل وأوروبا وصلت إلى أدنى مستوياتها غلى الإطلاق، والانهيار بدأ إثر الحرب على غزة وتفاقم جراء الاستيطان في الضفة الغربية والحرب على لبنان، واستمرار هذا التصعيد قد يفتح باباً لعقوبات أوروبية أوسع، بما في ذلك تعليق اتفاقية الشراكة الاقتصادية بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي، وهو ما قد يكلف إسرائيل ثمناً اقتصادياً باهظاً في قطاعات الصادرات والتكنولوجيا والأدوية التي تعتمد بشكل كبير على السوق الأوروبي".
ومن وجهة نظر لافي فإن "العلاقات بين إسرائيل وأوروبا تشهد تدهوراً ملموساً ومتصاعداً، لكنه ليس كلياً، بل محدود بالدول التي تتبنى سياسات عقابية فعلية ضد إسرائيل، فإسرائيل تحتفظ بعلاقات جيدة مع ألمانيا وإيطاليا، وهذا يُظهر أن الأزمة ليست شاملة، وأن التدهور الحاد يقتصر على دول معينة تجاوزت الخط الأحمر في انتقاداتها، فالحرب على عدة جبهات هي المسبب الرئيسي لهذا الوضع الراهن، وأدت إلى تضاعف الانتقادات الأوروبية للسياسات الإسرائيلية في غزة والضفة، التدهور الحاصل هو ثمن مقبول مقابل الإنجازات الاستراتيجية الكبرى التي حققتها إسرائيل في الشرق الأوسط، فيما يتعلق بإضعاف إيران وحلفائها، فالخلافات مع أوروبا، مهما اشتدت، تظل ضمن إطار العلاقات الدبلوماسية الطبيعية بين الدول، فالمصلحة المشتركة في مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إضافة إلى العلاقات الاقتصادية الضخمة، ستمنع حدوث قطيعة حقيقية".
الشرخ الأوروبي الإسرائيلي
قال الأكاديمي والخبير بالشؤون الإسرائيلية والدولية د. أيمن يوسف لمنصة "المشهد" ان طرد إسرائيل لممثلي دول أوروبية دليل على حالة الارتباك والعزلة الدبلوماسية التي تعيشها تل أبيب، "فالأزمة بنيوية عضوية حقيقية بين إسرائيل والعديد من الدول داخل الاتحاد الأوروبي، الكل ضاق ذرعاً جراء الممارسات الإسرائيلية، إسرائيل تنظر إلى العالم والنظام الدولي وكأنه الولايات المتحدة الأمريكية، لا تكترث لا بالانتقادات، ولا بالنصائح والتوصيات التي يقدمها المستشارون الأوروبيون لها فيما يخص بقطاع غزة ومجلس السلام وإعادة الإعمار وما يتعلق بالضفة الغربية، خصوصا ممارسات المستوطنين، أعتقد في هذه المرحلة سيكون هناك ريما تصعيد أوروبي أكثر باتجاه خلق أزمة مع الحكومة الإسرائيلية الحالية، الكل يدرك بأن إسرائيل ذاهبة للإنتخابات، وأنها تقتات على أصوات المستوطنين وأصوات الراديكاليين المتعصبين، تسعى لخلق كل هذه الأزمات، لكن هناك أيضاً فرصة لبعض التدخلات الأوروبية وحتى الأميركية لتفكيك هذه الحكومة الإسرائيلية التي تتحدى العالم وأوروبا وأقطاب النظام العالمي بهذه الممارسات والإعتداءات".
وأكد المحلل يوسف بأن "التراجع الحاد في العلاقات بين إسرائيل وأوروبا ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو مؤشر على تحول إستراتيجي في الموقف الأوروبي من الصراع، فالحرب على غزة وما رافقها من إبادة جماعية وتجويع ممنهج أحدثت شرخاً عميقاً في النسيج الغربي الداعم لإسرائيل، تجلى في اعتراف دول أوروبية بفلسطين، وفرض عقوبات على مستوطنين ووزراء إسرائيليين، ودعم التحركات القانونية في لاهاي، فيما تلوح بريطانيا وفرنسا بمراجعة العلاقات وفرض عقوبات، وهو ما كان مستبعداً قبل الحرب، أعتقد بأن استمرار هذا التصعيد قد يدفع أوروبا إلى خطوات عقابية أكثر تأثيراً، مثل تعليق اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية، على الرغم من أن أوروبا لا تزال متحفظة في خطواتها العملية مقارنة بخطابها النقدي، فالتحول الإستراتيجي الكامل قد يستغرق وقتاً، وهذه فرصة أمام الدبلوماسية الفلسطينية للإستثمار في هذا الجهد الأوروبي".
(المشهد - القدس)
