يؤشر قرار تعيين الفريق ياسر العطا رئيسًا لهيئة الأركان في الجيش السوداني إلى متانة تحالف قائد الجيش عبد الفتاح البرهان مع القوى الإسلاموية، بما يؤكد استمرار المشروع العسكري للجماعة الأم للإسلام السياسي وهيمنتها أو تعلغلها وتوغلها في بنية الجيش، وعدم حلحلة الترابط العضوي بين الطرفين رغم التصنيف الأميركي لـ"إخوان السودان" على قوائم الإرهاب.
تحجيم سلطة البرهان
إلا أنه وبرغم ما يبدو، ظاهريًا، من استمرار التحالف البراغماتي بين قائد الجيش السوداني وجماعة "الإخوان"، إلا أن التطورات الأخيرة، التي حملها إعلان تعيين العطا في رئاسة الأركان، تكشف عن مؤشرات بخصوص محاولة الإسلامويين تقليص نفوذ عبد الفتاح البرهان وتحجيم سلطته داخل الجيش، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد".
ورجحت المصادر ذاتها، احتمالات أن تكون اللحظة بداية توطئة لحدوث انقلاب داخل المؤسسة العسكرية على قيادته، موضحين أن العطا، المدعوم من خلايا أمنيّة وقوى إسلاموية نافذة، يمثل "أداة لضبط خيارات البرهان"، ويحول دون اتخاذه خطوات مستقلة تضمن استقلالية الجيش، ما يعكس طبيعة "العلاقة التكافلية المشوبة بالشكوك والترصد" بين البرهان و"الإخوان" بينما يضع قيادته تحت ضغط مستمر من الفاعلين السياسيين والعسكريين المتحالفين معهم.
إذ يُعرف العطا بانحيازه التاريخي لـ"الحركة الإسلامية" بالسودان ومشاركته في معارك جنوب السودان، فضلاً عن كونه الحليف الأبرز لكتائبهم "البراء بن مالك" داخل الجيش والمصنفة إرهابية.
إعادة ترتيب سياسي وعسكري
إذًا، يمكن القول إن التعيين الأخير هو إعادة ترتيب عسكري وسياسي بعد ضغوطات جمّة تطال البرهان، بما يعكس تصعيدًا يهدف إلى تقليص استقلالية القيادة العسكرية، وتثبيت نفوذ الإسلامويين. كما يبعث برسائل قوية ضد القوى الداخلية والخارجية الرافضة للحرب، مفادها استمرار سياسة التصعيد العسكري بفعل هيمنة "الإخوان" على القرار العسكري. ومن ثم، إعاقة جهود المجتمع الدولي الرامية لوقف الحرب وتحقيق السلام.
وقد سبق لرئيس الأركان الجديد ياسر العطا، الذي تم تعيينه، مؤخرًا، أن ظهر في مقطع مصور يؤكد انتماءه لجماعة "الإخوان" فكريًا وعلى المستوى الحركي، فضلًا عن انخراطه في كتائبهم العسكرية والمسلحة بالقتال. وقال: "أنا فلول (في إشارة لتبعيته لنظام عمر البشير المخلوع) وكوز (إخوان) والكوز الذي يقاتل معنا بنشيلوا فوق راسنا".
وكان متحدثًا عسكريًا قد نقلت عنه "رويترز" الخميس، قوله إن السودان عيّن الفريق أول ركن ياسر العطا، عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيسًا لهيئة أركان القوات المسلحة السودانية. وهي خطوة تُعد الأبرز منذ اندلاع الحرب قبل 3 سنوات.
فيما تشير "رويترز" إلى أن هذا التغيير الطارئ يمكن أن يفضي إلى تحولات في الإستراتيجية مع فتح جبهة جديدة في الحرب في ولاية النيل الأزرق جنوب شرق البلاد. ويتولى العطا منصب رئيس الأركان خلفًا لعثمان الحسين، مما يقلص من حضوره السياسي، لكنه يمنحه سيطرة أكبر على القوات المسلحة.
ضغوط كبيرة
وفي حديثه لمنصة "المشهد" يقول الكاتب والباحث السياسي السوداني فايز السليك، إن تعيين الفريق ياسر العطا قائدًا لهيئة أركان الجيش غالبًا جاء في سياق "إعادة تنظيم وترتيب عسكري وسياسي" بعد ضغوطات كبيرة وحملات ضد الفريق عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش من قبل الإسلامويين وفلول نظام عمر البشير، حيث يهدف هؤلاء من تصعيد العطا "إحداث نقلة كبيرة" لحصار البرهان.
ويصف السليك هذا الحصار الذي يقوض به الإسلامويون البرهان من خلال تحريك أو تصعيد العطا، بأنه يماثل طريقة "لعبة الشطرنج وهي بمثابة تحذير للقطعة الأكبر (الملك)"، خصوصًا أن رئيس هيئة الأركان الجديد يتمتع بثقة الخلايا الأمنية التي تدير الحرب بحكم وجوده في أم درمان، إبان سيطرة قوات "الدعم السريع" على الخرطوم ومحاصرة أسلحة المهندسين والمدرعات، بينما ظل هو لسانهم الذي ينطق بعداواتهم للقوى الداخلية والإقليمية.
وربما، تشمل خطوات إعادة ترسيم المسرح العسكري والسياسي إبعاد مساعد البرهان الفريق شمس الدين الكباشي، الرجل الثاني في القيادة العسكرية، ومن ثم، نقله الى مؤسسات صورية، مثل المجلس التشريعي، وفق الكاتب والباحث السياسي السوداني.
ويقول السليك إن العلاقة بين البرهان والإسلامويين هي علاقة "نفعية تكافلية"، أشبه بـ"الرقص فوق رؤوس الأفاعي"، حيث يسودها الحذر والشكوك والترصد والتآمر، على حد توصيفه.
كما يمكن فهم توقيت تعيين العطا في هيئة الأركان، والحديث للمصدر ذاته، بأنه رد على إقالة البرهان لعدد من الضباط الإسلامويين، واعتقال قادة ينتمون للتيار الإيراني داخل "الحركة الإسلامية".
هيمنة "الإخوان" على الجيش
ومن جهته، يوضح المحامي والناشط السوداني طلب الختيم، أن تعيين الفريق ياسر العطا رئيسًا لهيئة الأركان يؤكد حسم البرهان لخياراته في ما يخص التحالف مع القوى الإسلاموية.
ويشير الختيم في حديثه لمنصة "المشهد"، إلى أن قرار تعيين العطا في رئاسة أركان الجيش يبرهن على استمرار "المشروع العسكري لـ"الإخوان" ضمن إطار الاستقطاب السياسي القائم والمحتدم. إذ يعتبر العطا تاريخيًا من أكثر ضباط الجيش حماسة للقتال بجانب الإسلامويين، وتربطه بهم علاقات طويلة تمتد إلى أيام نشاطه في جنوب السودان، حيث كان أحد أبرز قادة الجيش في معارك الميل 40، عام 1997، مدفوعًا بقناعاته حيال المشروع الجهادي للإسلاميين وليس بدافع الواجب العسكري فحسب.
ويضيف: "يُعرف العطا بانحيازه الكامل لمشروع إعادة الإسلامويين إلى السلطة وتمكينهم عبر ترميزهم كواجهة سلطوية جديدة ضمن خطة الحرب الحالية، ويعدّ من من أكثر القادة العسكريين راديكالية في إصرارهم وتشدّدهم على استمرار العمليات العسكرية، فضلاً عن كونه الحليف الأبرز لكتائب الإسلاميين، ومنها "البراء بن مالك" المصنفة على قوائم الإرهاب الأميركية، داخل الجيش".
خطاب الحرب
وفي سياق "تسعير خطاب الحرب"، وفق المحامي والناشط السوداني، أصدر العطا مواقف متطرفة ضد القوى السياسية الرافضة للنزاع، بينما عبّر عن مواقف حادّة تجاه طيف واسع من القوى الاجتماعية في السودان، ما يجعل تعيينه على رأس الجيش مؤشرًا واضحًا على عدم رغبة القيادة في إصلاح المؤسسة العسكرية أو توسيعها لتعكس تنوع المكونات الاجتماعية. كما يعكس القرار عدم القطيعة مع الأجندات السياسية للإسلامويين.
بالمحصلة، تكشف خطوة إعادة هيكلة قيادة الجيش، مؤخرًا، انفلات الأمور من قبضة البرهان التي تبدو هشّة، وعدم امتلاكه القرار وحده، بل وقوعه في حيز الجماعة الإسلاموية، مما يقلّل من احتمالات قدرة الجيش على الالتزام بخطوات حاسمة لجهة استقلاليته عن أجندات "الإخوان" والوقوع في تبعيّتهم ومدارهم السياسي، المحلي والإقليمي، المرتهن لإيران و"الحرس الثوري".
كما أن هذا التوجه، وفق الختيم، يعاكس الجهود الدولية الرامية إلى وقف الحرب في السودان؛ إذ يشير التشكيل الجديد إلى استمرار الجيش في سياسة التصعيد العسكريّ، وليس الانخراط في مسار السلام والتسوية السياسية السلمية والنهائية.
(المشهد)