تستعد اليابان لتنفيذ مهمة فضائية استثنائية تهدف إلى جمع عينات من فوبوس أحد قمري المريخ، ونقلها إلى الأرض بحلول عام 2031، في مسعى لكشف أسرار نشأة الكوكب الأحمر وتطور النظام الشمسي.
ومن المقرر إطلاق مهمة استكشاف أقمار المريخ التي تقودها وكالة استكشاف الفضاء اليابانية، باستخدام الصاروخ إتش 3 من مركز تانيغاشيما الفضائي، في رحلة يتوقع أن تستغرق نحو 5 سنوات، وفقا لما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز".
وتتجاوز أهمية المهمة دراسة القمرين "فوبوس و"ديموس"، إذ يحتمل أن تحتوي العينات على شظايا صخرية مصدرها المريخ نفسه، وهو ما قد يتيح للعلماء معلومات إضافية عن تاريخ الكوكب وظروف تكونه والبيئة التي ربما أتاحت ظهور الحياة عليه.
وتستهدف المهمة جمع ما لا يقل عن 10 غرامات من تربة "فوبوس" وصخوره، باستخدام أدوات متخصصة، قبل نقل العينات إلى الأرض داخل كبسولة مخصصة، تمهيدا لإخضاعها لفحوص مخبرية دقيقة قد تستمر لسنوات طويلة.
الأساطر اليونانية
وبحسب التقارير، رصد عالم الفلك الأميركي آساف هول قمري المريخ، عام 1877، واختار لهما اسمين مستمدين من الأساطير اليونانية، يشيران إلى الخوف والفزع.
ويتحرك "فوبوس" تدريجيا نحو المريخ، في حين يبتعد "ديموس" عنه، ويتميز القمران بصغر حجميهما وتضاريسهما غير المنتظمة، الأمر الذي يجعل تحديد كيفية تشكلهما تحديا علميًا معقدا.
وتوجد نظريتان رئيسيتان لتفسير نشأتهما تفترض الأولى أن اصطداما ضخما بالمريخ أدى إلى تناثر مواد صخرية تجمعت لاحقا لتكوين القمرين، بينما ترى الـ2 أنهما كويكبان انجذبا إلى مدار الكوكب الأحمر بفعل جاذبيته.
وتأمل اليابان أن تسهم المهمة في ترجيح إحدى الفرضيتين، من خلال دراسة عينات حقيقية بدلا من الاكتفاء بالصور والبيانات التي تجمعها المركبات الفضائية من المدارات.
كما يمكن للفحوص المباشرة أن تكشف اختلافات دقيقة في التركيب الكيميائي والمعدني للعينات، يصعب رصدها باستخدام أدوات الاستشعار عن بعد وحدها.
من المتوقع أن تصل المركبة إلى محيط المريخ بعد نحو عام من انطلاقها، لتدخل مدارا قريبا من "فوبوس"، حيث ستبدأ مسح سطحه واختيار المواقع الملائمة للهبوط وجمع المواد.
وتضم المهمة روبوتا صغيرا متحركا يحمل اسم "إيدفيكس"، طوره المركز الألماني للطيران والفضاء بالتعاون مع المركز الوطني الفرنسي للدراسات الفضائية بهدف دراسة طبيعة السطح وتقييم المناطق المناسبة للاستكشاف القمر الغامض.
ويصل وزن الروبوت على الأرض إلى نحو 25 كيلوغراما، إلا أن وزنه الظاهري فوق فوبوس يعادل نحو 15 غراما فقط نتيجة ضعف جاذبية القمر.
وستعتمد المركبة على وسيلتين الجمع العينات تتمثل الأولى في مثقاب قادر على الوصول إلى عمق سنتيمترين أسفل السطح، بينما تستخدم الـ2 الغاز المضغوط لالتقاط الغبار والحبيبات الصخرية.
وبعد الانتهاء من عمليات المسح وجمع المواد، يخطط المغادرة المركبة محيط المريخ في عام 2030 والبدء في رحلة العودة إلى الأرض.
وخلال هذه المرحلة، ستجري عمليات رصد لديموس على أن تصل كبسولة العينات إلى الأرض في عام 2031
ولن يقتصر فحص المواد التي ستعود بها المهمة على تحديد أصل "فوبوس"، بل سيشمل البحث عن عناصر متطايرة من بينها الهيدروجين والصوديوم والكلور، إلى جانب المعادن والمواد العضوية والمركبات التي قد ترتبط بوجود الماء.
ويولي الباحثون اهتماما خاصا للأحماض الأمينية، التي تمثل وحدات أساسية في بناء البروتينات، إذ يسعون إلى معرفة ما إذا كانت موجودة في العينات، وتحديد أنواعها وتركيزاتها.
وقد تساعد هذه النتائج في توضيح كيفية انتشار المركبات الكيميائية المرتبطة بالحياة في أنحاء النظام الشمسي دون أن يعني العثور عليها بالضرورة اكتشاف حياة خارج الأرض.
وإذا أظهرت التحليلات أن "فوبوس" يضم مواد قذفها المريخ إلى الفضاء نتيجة اصطدامات قديمة، فقد توفر العينات وسيلة غير مباشرة لدراسة تاريخ الكوكب الأحمر وخصائصه في مراحل مبكرة.
أما إذا أكدت النتائج أن "فوبوس" كويكب التقطته جاذبية المريخ، فقد تساعد المواد المستخرجة منه في التعرف على مكونات انتقلت من مناطق أخرى في النظام الشمسي، بما في ذلك المركبات العضوية والمواد التي قد تحمل آثارا للماء.
وبذلك، لا تقتصر المهمة اليابانية على معرفة أصل أحد قمري المريخ، بل قد تفتح نافذة جديدة لفهم تطور الكواكب وتوزيع المواد الأولية التي يهتم العلماء بدراستها في سياق البحث عن نشأة الحياة.
(المشهد)
