أدى وقف إطلاق النار لمدة 14 يومًا بين إيران والولايات المتحدة إلى توقف القتال الفعلي، لكن داخل إيران، لا يزال الشعور بالارتياح محدودًا. كثّفت الحكومة حملتها الأمنية في ظل تفاقم الضغوط الاقتصادية، وهما عاملان من المرجح أن يُحددا مستقبل المواطنين الإيرانيين، وفقا لصحيفة "المونيتور".
في غضون ساعات من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، كثّفت السلطات الإيرانية حملة اعتقالات واسعة النطاق في محافظات عدة. ومنذ إعلان الهدنة، اعتقلت أجهزة الأمن والاستخبارات عشرات الأشخاص بتهم التجسس، والارتباط بوسائل إعلام أجنبية، أو التعاون مع جهات وصفها المسؤولون بـ"الجهات المعادية".
حملة اعتقالات في إيران
وامتدت الاعتقالات لتشمل محافظات عدة، منها خوزستان، ومازندران، وجيلان، ولورستان، وهرمزجان. وفي بعض الحالات، اتُهم المعتقلون بمشاركة صور مع وسائل إعلام أجنبية، وفي حالات أخرى، بالتورط في هجمات مُخطط لها، أو بالارتباط بمنصات تابعة للمعارضة.
كما أفادت السلطات بمصادرة كميات كبيرة من الأسلحة، بما في ذلك بنادق هجومية وذخيرة، مُدعيةً أن العديد منها أميركي الصنع ومُعدّ للاستخدام الداخلي.
ويعكس حجم هذه العمليات قلقًا مُستمرًا لدى النشطاء: إذ تميل فترات الصراع الخارجي إلى زيادة حساسية الجمهورية الإسلامية تجاه التهديدات الداخلية المُتصورة.
يقول مراقبون قانونيون داخل إيران إن هذا النهج قد يتطور أكثر. فبحسب المحامية الإيرانية سارة غوريشي، يبدو أن الدولة تتجاوز العقاب كأداة رد فعل، وتتجه نحو استخدام الأحكام القاسية كوسيلة للحكم نفسها.
كارثة اقتصادية
إلى جانب الحملة الأمنية، تتضح أزمة اقتصادية متفاقمة مع تلاشي الصدمة المباشرة للحرب. ويتمحور جوهر هذه الأزمة حول انقطاع الإنترنت لفترة طويلة، والذي يدخل أسبوعه الـ6 على التوالي، تاركًا البلاد شبه معزولة عن العالم لأكثر من 100 ساعة.
بالنسبة لملايين الإيرانيين، يُهدد هذا الوضع سُبل عيشهم. وكان الاقتصاد الرقمي من الشركات الصغيرة عبر الإنترنت إلى العاملين لحسابهم الخاص والشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا من بين القطاعات الأكثر تضررًا.
يدفع انقطاع الإنترنت، إلى جانب أضرار الحرب التي لحقت بالبنية التحتية والهشاشة الاقتصادية المزمنة، العديد من الأسر إلى حافة الهاوية.
حتى قبل النزاع، كان الاقتصاد الإيراني يُعاني التضخم المتصاعد، وانخفاض قيمة العملة، والتأثير المستمر للعقوبات.
أدت هذه الضغوط بالفعل إلى اندلاع اضطرابات واسعة النطاق في يناير، ما استدعى أحد أقسى ردود الفعل من جانب الجمهورية الإسلامية، حيث قُتل آلاف المتظاهرين في الشوارع في غضون يومين فقط.
وتُعدّ ارتفاع الأسعار، وتراجع المدخرات، وانعدام الأمن الوظيفي من السمات المتكررة. فبينما لا تزال السلع متوفرة في الأسواق، ارتفعت تكاليف بعض السلع والخدمات الأساسية بنسبة 25%، وانخفضت القدرة الشرائية بشكل حاد، ما جعل الكثيرين عاجزين عن تلبية احتياجاتهم.
أما بالنسبة للعاملين في القطاعين غير الرسمي والرقمي، فقد كانت خسائر الدخل فورية وشديدة للغاية. وقد أفاد معهد تشاتام هاوس في مايو أن الناتج المحلي الإجمالي في إيران من المرجح أن ينخفض بأكثر من 10% نتيجة للحرب.
مخاوف من اضطرابات في إيران
وفقا للصحيفة، يبدو أن الحكومة الإيرانية تُدرك تماماً أن الإحباط الاقتصادي قد يتحول بسرعة إلى اضطرابات واسعة النطاق. وسط احتجاجات واسعة النطاق في يناير، صرّح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأن الحكومة "مستعدة للاستماع" إلى المظالم الاقتصادية للمحتجين.
وقد ساهمت الإجراءات التي فُرضت خلال الحرب، بما في ذلك القيود الشاملة على الإنترنت وغيرها من الضوابط، في كبح جماح التعبئة الشعبية، التي تُعدّ أولوية داخلية رئيسية للنظام الإيراني، في ظل دعوة القادة الإسرائيليين والأميركيين للشعب إلى الانتفاض.
يمثل هذا الأمر تحديًا دقيقًا للقيادة الإيرانية. فمن جهة، هناك حافز قوي للحفاظ على السيطرة ومنع الاضطرابات خلال هذه الفترة الحرجة. ومن جهة أخرى، قد تتطلب الضغوط الاقتصادية المتزايدة، التي تتجلى في ارتفاع الأسعار، وانخفاض قيمة العملة بشكل حاد، وتوقعات بانكماش الاقتصاد بنحو 10% هذا العام، شكلًا من أشكال الدعم، سواء من خلال تعديلات في السياسات أو إحراز تقدم في المفاوضات التي من شأنها تخفيف القيود الخارجية.
وسيتوقف الكثير على ما سيحدث بعد الهدنة الحالية. فإذا تطور وقف إطلاق النار إلى اتفاق أوسع يشمل تخفيفاً فعلياً للعقوبات، فقد يبدأ المسار بالتغير، مما قد يفتح الطريق نحو استقرار اقتصادي تدريجي.
أما إذا لم يحدث ذلك، فإن اجتماع القمع الداخلي والتدهور الاقتصادي يُنذر بخلق بيئة أكثر اضطراباً مع مرور الوقت، مع احتمال تجدد الاحتجاجات الشعبية.
(ترجمات)