يمثل ترشيح كفاءات دبلوماسية لقيادة الأمم المتحدة، اختبارا لمدى قدرة الخبرات المتراكمة على إدارة التوازنات الدولية واحتواء الخلافات في مرحلة تتسع فيها رقعة الأزمات، كما تتراجع فيها فرص التوافق بين القوى الكبرى. وبالتالي، تبرز وزيرة دولة في وزارة الخارجية الإماراتية لانا زكي نسيبة بوصفها إحدى الشخصيات الدبلوماسية الإماراتية التي راكمت خبرة واسعة في العمل متعدد الأطراف، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد".
لانا نسيبة.. سيرة ومسيرة
تكتسب سيرة ومسيرة المرشحة الإماراتية في منصب الأمين العام للأمم المتحدة، أهمية قصوى في ضوء ما تتطلبه قيادة الأمم المتحدة من قدرة على بناء التوافقات، وإدارة التباينات بين الدول، وتعزيز الثقة في العمل الدولي المشترك، وهي تحديات تضع خبرتها الدبلوماسية ومقاربتها في التعامل مع الملفات الدولية داخل نطاق حيوي وإستراتيجي، كما تشير المصادر ذاتها، خصوصًا في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى قيادة قادرة على الجمع بين الواقعية السياسية والالتزام بمبادئ التعاون متعدد الأطراف.
لانا زكي نسيبة دبلوماسية إماراتية تشغل منصب وزيرة دولة في وزارة الخارجية الإماراتية، بينما رشحتها دولة الإمارات رسميًا لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، مؤخرًا، خلفًا لأنطونيو غوتيريش الذي تنتهي ولايته في 31 ديسمبر 2026.
تولت نسيبة منصب المندوبة الدائمة لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة بين عامي 2013 و2024، لتصبح أول امرأة إماراتية تشغل هذا المنصب، كما ترأست مجلس الأمن الدولي مرتين خلال عضوية الإمارات غير الدائمة للفترة 2022و2023، وشغلت منصب نائبة رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، ورئيسة المجلس التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة عام 2017.
وقد أكد عضو المجلس الوطني الاتحادي السابق ضرار بالهول الفلاسي، أنّ ترشيح دولة الإمارات العربية المتحدة للمرشحة والوزيرة الإماراتية لانا زكي نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، يمثل محطة وطنية ودبلوماسية بالغة الأهمية، ويعكس الثقة المستحقة في كفاءة إماراتية رفيعة تمتلك رؤية عميقة وخبرة عملية واسعة وقدرة مثبتة على إدارة الحوار وبناء التوافقات في أصعب الظروف الدولية.
شخصية إماراتية
وقال الفلاسي في تصريحات لمنصة "المشهد": "إنّ لانا نسيبة ليست مجرد دبلوماسية تمتلك سجلًا مهنيًا مميزًا، بل هي شخصية إماراتية استثنائية تمثل أفضل ما أنتجته تجربة الإمارات في تأهيل قيادات وطنية قادرة على الحضور والتأثير في مراكز صنع القرار الدولي. لقد راكمت خبرة نوعية في منظومة الأمم المتحدة، وأثبتت خلال مسيرتها قدرة عالية على الجمع بين الحزم والاتزان، وبين وضوح الموقف والانفتاح على الحوار".
وأضاف أنّ المسيرة المهنية للمرشحة الإماراتية الوزيرة نسيبة، تؤهلها بجدارة لتولي مسؤوليات قيادية في مرحلة يحتاج فيها العالم إلى قيادات تؤمن بقيمة الدبلوماسية، وتستطيع تجاوز الاستقطابات، والعمل بصبر ومهنية من أجل تقريب وجهات النظر وتحويل الاختلاف إلى مساحات تفاهم وعمل مشترك.
وأوضح عضو المجلس الوطني الاتحادي السابق، أنّ خبرة نسيبة في الأمم المتحدة، سواء عبر عملها لسنوات طويلة مندوبًا دائمًا لدولة الإمارات لدى المنظمة، أو من خلال أدوارها في مجلس الأمن والجمعية العامة والملفات الإنسانية والإصلاح المؤسسي، منحتها فهمًا مباشرًا ودقيقًا لطبيعة التحديات التي تواجه النظام متعدد الأطراف، ولآليات التعامل معها بكفاءة ومسؤولية.
وقال: "تتمتع لانا نسيبة بقدرة متميزة على قراءة المشهد الدولي بتعقيداته، وفهم أولويات الدول والشعوب، والعمل بواقعية من أجل الوصول إلى حلول قابلة للتنفيذ. كما أنها تمتلك لغة دبلوماسية راقية تقوم على الاحترام المتبادل، والثقة، والإصغاء إلى مختلف الأطراف، وهي قيم أصبحت أكثر إلحاحًا في عالم تتسع فيه الأزمات وتتعقد فيه التحديات".
الرؤية الإستراتيجية
وأشار الفلاسي إلى أنّ ما يميز لانا نسيبة هو الجمع بين الرؤية الإستراتيجية والخبرة التنفيذية، مؤكدًا أنّ سجلها في دعم السلام والأمن، وتعزيز العمل الإنساني، ومساندة قضايا المرأة، والدفع نحو إصلاح المؤسسات الدولية، يبرهن على أنها شخصية تمتلك القدرة على تحويل المبادئ إلى مبادرات، والمبادرات إلى نتائج ملموسة.
وأكد الفلاسي أنّ هذا الترشيح يعكس نهجًا إماراتيًا راسخًا في الاستثمار في الإنسان وبناء الكفاءات الوطنية، وقال: "لقد أثبتت دولة الإمارات قدرتها على صناعة شخصيات وطنية جديرة بالأدوار المركزية في المؤسسات الدولية، بفضل رؤية قيادتها التي آمنت بأنّ التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان، وأنّ الحضور الدولي المؤثر يتطلب معرفة وخبرة وكفاءة، وإيمانا صادقا بالمسؤولية".
وتابع: "ترشيح لانا نسيبة هو رسالة ثقة في الدبلوماسية الإماراتية وفي نموذج وطني أثبت قدرته على التفاعل الإيجابي مع قضايا العالم. كما أنه يعبّر عن المكانة المتقدمة التي باتت تحتلها دولة الإمارات كشريك موثوق، وصاحب مبادرات، وطرف فاعل في دعم السلام والاستقرار والتنمية والعمل الإنساني".
وختم الفلاسي تصريحه بالقول: "تحتاج الأمم المتحدة اليوم إلى قيادة تتسم بالقدرة على الاستماع قبل الحكم، وبناء الثقة قبل فرض المواقف، وصياغة التوافق قبل إدارة الخلاف. ولانا نسيبة تمتلك من التجربة والكفاءة والهدوء والالتزام، ما يجعلها جديرة بهذه المسؤولية الرفيعة. إنها مرشحة تحمل معها خبرة دبلوماسية عميقة، وروحًا إماراتية تؤمن بأنّ التعاون الدولي ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة لصنع مستقبل أكثر أمنًا وعدلًا وازدهارًا للجميع".
كوادر وطنية
يتفق والرأي ذاته الكاتب الإماراتي محمد الحمادي، الذي يرى أنّ ترشيح لانا زكي نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، يعكس ما تمتلكه من كفاءة دبلوماسية وخبرة متراكمة في إدارة الملفات الدولية، كما يجسد قدرة دولة الإمارات على إعداد كوادر وطنية مؤهلة لتولي أدوار محورية في المؤسسات الدولية، بما يتجاوز التمثيل الدبلوماسي إلى الإسهام الفاعل في صياغة التوجهات وصناعة القرار على المستوى العالمي.
وأضاف الحمادي لمنصة "المشهد"، أنّ نسيبة راكمت خلال مسيرتها خبرة نوعية في العمل متعدد الأطراف، وأظهرت قدرة على التعامل مع تعقيدات المشهد الدولي وفهم توازناته، فضلًا عن امتلاكها أدوات الحوار وبناء التوافقات، وهي مؤهلات تكتسب أهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجه الأمم المتحدة والحاجة إلى تعزيز فاعلية دورها في التعامل مع النزاعات والأزمات الدولية.
وأشار الكاتب الإماراتي إلى أنّ تولي منصب الأمين العام للأمم المتحدة، يتطلب إلى جانب الخبرة الدبلوماسية، قدرة استثنائية على إدارة التباينات بين الدول، والحفاظ على قنوات التواصل، وبناء مساحات مشتركة بين الأطراف المتعارضة. ومن هذا المنطلق، فإنّ ترشيح نسيبة يضع خبرتها في العمل الدولي أمام استحقاق بالغ الأهمية، ويعكس طموح الإمارات إلى الإسهام في قيادة المؤسسات متعددة الأطراف وتعزيز قدرتها على الاستجابة للتحديات العالمية.
فالرهان هنا، والحديث للكاتب الإماراتي محمد الحمادي، لا يتعلق بالوصول إلى موقع قيادي فحسب، بل بقدرة المرشح على توظيف خبرته في خدمة العمل الدولي، وتعزيز فرص الحوار والتعاون، والإسهام في بناء منظومة أممية أكثر فاعلية في مواجهة الأزمات.
صناعة القرارات
وفي حديثه لمنصة "المشهد" قال المدير الإقليمي للاتصال والمعرفة بمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة محمد العيدروس الهاشمي، إنّ ترشيح لانا زكي نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، يمثل خطوة مهمة طال انتظارها، وفرصة لتعزيز الحضور الإماراتي في مواقع التأثير داخل المنظمة الدولية، التي تؤدي دورًا محوريًا في صياغة السياسات وتحديد أولويات المجتمع الدولي والتعامل مع قضاياه الكبرى.
وأضاف الهاشمي، أنّ الإمارات تمتلك من الخبرة والكفاءة والرؤية ما يؤهلها للقيام بدور أكبر في منظومة الأمم المتحدة، مشيرًا إلى أنّ التأثير في المؤسسات الدولية لا يقتصر على المشاركة في أعمالها، بل يمتد إلى الإسهام في صياغة توجهاتها وصناعة القرارات المؤثرة في مستقبل النظام الدولي. ومن هنا، فإنّ تعزيز الحضور الإماراتي في هذه المواقع، يمثل امتدادًا طبيعيًا لمكانة الدولة وتجربتها في بناء الشراكات وتوظيف الدبلوماسية والقوة الناعمة.
وأوضح أنّ لانا نسيبة تمتلك رصيدًا دبلوماسيًا وخبرة متراكمة في العمل متعدد الأطراف، بما يجعل ترشيحها استحقاقا يعكس كفاءة شخصية إماراتية مؤهلة لتحمل مسؤولية دولية بهذا الحجم، فضلًا عن أنه يجسد قدرة الإمارات على إعداد كوادر وطنية قادرة على المنافسة وتولي أدوار مركزية في المؤسسات الدولية.
وأكد العيدروس الهاشمي، أنّ الأمل يتمثل في أن يتكلل هذا الترشيح بالنجاح، وأن تحظى نسيبة بثقة الدول الأعضاء، معتبرا أنّ الإمارات تستحق حضورا يتناسب مع إمكاناتها ومساهماتها الدولية، لا أن يقتصر دورها على المشاركة في أجندة الأمم المتحدة، بل أن يمتد إلى مواقع تتيح لها الإسهام بصورة أكبر في صياغة السياسات وتوجيه النقاشات الدولية.
وقال، "الوصول إلى هذه المواقع لا يمثل مكسبا وطنيا فحسب، وإنما فرصة لتوظيف الخبرة الإماراتية في خدمة العمل متعدد الأطراف وتعزيز فرص التعاون والاستقرار على المستوى العالمي".
(المشهد)
