أشعل مقطع صوتي مدمج مع صورة ثابتة لشخصيّة درزية معروفة نار الفتنة في سوريا، وأدّى إلى اشتباكات مسلّحة على تخوم مدن وأحياء ذات غالبية درزية في ضواحي العاصمة دمشق.
الفيديو المتداول، الذي تضمّن شتائم وإهانات موجّهة ضد النبي محمد والطائفة السنّية، قوبل بخطاب تحريضيّ ضد الطلّاب الدروز في جامعة حمص والطائفة الدرزية في تجمّعات حماة ودمشق وجبلة وغيرها من المدن، وسط دعوات "لنصرة الدين" والدفاع عن النبي محمد.
أعادت هذه الحالة من الفلتان الأمني والتعبئة الطائفية إلى الأذهان أحداث الساحل السوري التي وقعت قبل أقل من شهرين، ما دفع السلطات السورية إلى التدخل السريع في محاولة لتهدئة الموقف واحتواء الفتنة، وسط مخاوف متزايدة من اتساع رقعة التوتر.
الداخلية السورية تُعلق
أصدرت الداخلية السورية بياناً شددت فيه على أهمّية الالتزام بالنظام العام وعدم الانجرار إلى تصرفات فردية أو جماعية والتعدي على الممتلكات، من دون أن تغفل شكر المواطنين على غيرتهم الدينية دفاعاً عن مقام النبي، مؤكدة أن التسجيل الصوتي المتداول لم يثبت صدوره عن الشخص الذي وُجهت إليه الاتهامات، ومشيرةً إلى أن "الجهات المختصة تواصل تحقيقاتها المكثفة لتحديد هوية صاحب التسجيل الحقيقي، تمهيدًا لإحالته إلى القضاء لينال العقوبة الرادعة وفق القوانين المعمول بها".
بدوره، نفى الشيخ مروان كيوان والذي نُسب الصوت إليه أي إساءة صدرت عنه بحق النبي محمد، مؤكداً أن التسجيل المتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا علاقة له به، وأن صوته الحقيقي متاح للمقارنة مع الفيديو المنتشر.
وقال الشيخ كيوان إن "الفيديو المنتشر مفبرك بالكامل ويهدف إلى إثارة الفتنة ونشر الكراهية بين مكونات الشعب السوري"، مشدداً على رفضه القاطع لمحتواه "جملة وتفصيلاً".
في السياق ذاته، قال الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في السويداء حكمت الهجري "نترحم على أبنائنا الأبرياء الذين استشهدوا في جرمانا على أيادي الغدر والعصابات الإرهابية التكفيرية، وندين هذه الاعتداءات الإرهابية المقيتة على الأبرياء الآمنين، دون تبرير لأنه لا يراد منها سوى شق الصف، وبث الفتنة ونشر القتل والإرهاب والعنف".
ماذا يحدث في جرمانا؟
تروي صحفية وناشطة سورية مقيمة في مدينة جرمانا، في حديث خاص لمنصة "المشهد"، تفاصيل ما جرى خلال الساعات الماضية، مفضّلة عدم الكشف عن هويتها لدواعٍ أمنية تتعلق بحساسية الوضع في البلاد.
وتقول الصحفية إن "جرمانا شهدت ليلةً عصيبة بدأت باشتباكات عنيفة اندلعت من جهة مدينة المليحة، حيث هاجمت مجموعة مسلّحة تنتمي عناصرها إلى مناطق متفرقة من الغوطة الشرقية أطراف المدينة، مما أدى إلى اندلاع مواجهات بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة بين أبناء المدينة ومعظمهم من الطائفة الدرزية وبين المهاجمين".
وتضيف الصحفية أن "الاشتباكات أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الجانبين، واستمرت حتى ساعات الصباح الأولى، ما أثار حالة من الهلع والقلق بين السكان. جرمانا اليوم مغلقة بشكل شبه كامل. وبعد التهديدات التي وُجّهت إلى طلاب دروز في السكن الجامعي بمدينة حمص، قام مشايخ المدينة بالتحرك سريعًا ونقل الطلاب من دمشق ومحافظات أخرى إلى داخل جرمانا باستخدام باصات خاصة، في ظل استمرار إغلاق طريق دمشق – السويداء".
وحذرت الصحفية من أن "الموقف لا يقتصر فقط على صدامات مسلّحة، بل هناك شرخ مجتمعي آخذٌ في الاتساع، وهو ما يثير مخاوف كبيرة من احتمالات التصعيد أو انزلاق الأمور إلى ما هو أخطر في حال لم يتم تطويق الفتنة بسرعة وعقلانية".
من جهته، يؤكد الناشط الدرزي غياث عزام لـ"المشهد" أن مدينة جرمانا تشهد حالة من الهدوء الحذر، مشيرا إلى أن هذا الهدوء يترافق مع استنفار واسع داخل المدينة تحسبًا لأيّ تطور مفاجئ.
ويشرح عزام أن "الوضع الآن مستقر نسبيًا، لكن هناك حالة من التأهب لدى جميع الأطراف، إذ لا تزال الأجواء مشحونة بعد التوترات الأخيرة. تم تأمين الطلاب الدروز المتواجدين في المحافظات الأخرى، ونُقل العديد منهم إلى جرمانا حفاظًا على سلامتهم. الأمن العام انتشر في محيط المدينة، دون أن يدخل إلى داخلها".
من جهتها، تلفت الناشطة السورية سوار نجم من أبناء الطائفة الدرزية إلى أن "العناصر التي هاجمت مدينة جرمانا ينتمي بعضهم إلى مجموعات من جنسيات أجنبية، بينها أفغان وشيشان"، مؤكدة أن "الأمن العام تدخّل لمحاولة ضبط الوضع، وفرض طوقاً أمنياً حول المدينة بهدف منع أي تصعيد وحقن الدماء".
وتضيف نجم لـ"المشهد" أن "الوضع في المدينة لا يزال متوتراً، إلا أن جهود التهدئة مستمرة"، مشيرة إلى أن "هناك اجتماعات تُعقد بين وجهاء وعقلاء من جرمانا وشخصيات مرتبطة بالحكومة السورية، في محاولة لاحتواء التوتر ومنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهات أوسع".
"احتواء الفتنة"
استنكرت الهيئة الروحية لطائفة المسلمين الموحدين الدروز في جرمانا السورية اليوم الثلاثاء، أيَّ تعرض بـ"الإساءة إلى النبي محمد"، مشيرة إلى أن "ما تمَّ تلفيقه من مقطع صوتي مشروعَ فتنة وزرعا للانقسام بين أبناء الوطن الواحد".
وقالت الهيئة، في بيان صحفي اليوم: "نستنكر بشدة، ونشجب، وندين الهجوم المسلح غير المبرر على مدينة جرمانا، الذي استُخدمت فيه مختلف أنواع الأسلحة، واستهدف المدنيين الأبرياء، وروَّع السكان الآمنين بغير وجه حق".
تعليقًا على ذلك، يقول المحلل والباحث السوري المقيم في دمشق حسام طالب في حديثه إلى "المشهد" إنّ "التسجيل الصوتي المنسوب لأحد رجال الدين الدروز، والذي تضمّن إساءات للنبي محمد، مفبرك، ويمثّل محاولة واضحة لإشعال فتنة طائفية. من المستحيل أن يصدر مثل هذا الكلام عن رجل دين، سواء كان مسلمًا أو من أيّ ديانة أخرى، فكيف إذا كان المتهم درزيًّا، وهم يؤمنون برسالة النبي محمد، اللهجة المستخدمة في التسجيل غريبة عن سكان السويداء، وتبدو أقرب إلى التقليد منها إلى الأصالة، ما يعزز فرضية فبركته".
ويضيف طالب "كل المعطيات تشير إلى وجود جهات – ربما إقليمية أو خارجية – تسعى لتأجيج الوضع الداخلي السوري عبر افتعال أزمات طائفية، خصوصًا أن بعض من ردّوا على التسجيل رفعوا شعارات دينية للثأر، في وقت أكدت فيه شخصيات دينية وأمنية بارزة في سوريا أن نصرة النبي تكون بأخلاقنا وسلوكنا، لا بالعنف".
وحول التطورات الأخيرة في جرمانا، يلفت طالب إلى أن "ما حصل هو امتداد لحادثة وقعت قبل أيام في جامعة حمص، حيث اندلع خلاف بين طلاب من الطائفتين السنية والدرزية، ما تسبّب بحالة توتر انتقلت إلى بعض المناطق، وأبرزها جرمانا. المسلّحون الذين خرجوا في جرمانا قاموا بقطع طريق المطار المحاذي للبلدة، ما استدعى تدخل عناصر الأمن العام لإعادة فتح الطريق، دون أن يكون هناك اقتحام لجرمانا كما روّج البعض".
وفي سياق متصل، شدد طالب على أن "الدولة السورية لا تسعى للدخول إلى جرمانا بالقوة، بل ما زالت ملتزمة بالتفاهمات التي أبرمت مؤخرًا مع وجهاء المدينة، وتحرص على حلّ الأزمة بالطرق السياسية وبالتنسيق مع العقلاء المحليين".
واستدرك قائلًا: "لكن ما لا يمكن القبول به، هو ما حدث من تنكيل بجثامين شهداء من الأمن العام، الذين تم سحبهم إلى داخل جرمانا والتمثيل بجثثهم بطريقة صادمة ومرفوضة، وهي أفعال مستنكرة من جميع السوريين، بمن فيهم أبناء الطائفة الدرزية"، مشيرا إلى أن "هناك من يحاول تضخيم الحدث ودفع الأمور نحو مواجهة كبرى، لكن المعطيات على الأرض تشير إلى أن الأمور تتجه نحو التهدئة، في ظل انتشار أمني محدود، وتعاون من الوجهاء لاحتواء الفتنة".
(المشهد )