في حلقة حملت قدرا عاليا من المكاشفة السياسية، فتح رئيس مجلس النواب العراقي الأسبق والأمين العام لحزب متحدون، أسامة النجيفي، ملفات الدولة العراقية منذ عام 2003 وحتى اليوم، خلال استضافته في برنامج "50 دقيقة" مع الإعلامي محمد أبوعبيد، الذي يُبث كل يوم سبت في الساعة السابعة مساءً بتوقيت الإمارات.
Watch on YouTube
النجيفي قدّم قراءة لمسار العراق بعد التغيير، معتبرا أنّ الفشل لم يكن طارئا، بل بدأ من لحظة التأسيس الأولى، حين صيغت العملية السياسية، بحسب تعبيره، تحت ضغط الاحتلال الأميركي والنفوذ الإيراني، وبمنطق طائفي أضعف فكرة الدولة، وفتح الباب أمام المحاصصة، والسلاح خارج المؤسسات، والفساد المنظم.
وخلال اللقاء، لم يكتفِ النجيفي بتشخيص الأزمة سياسيا، بل ذهب إلى عمقها الدستوري والأمني والاقتصادي، متحدثا عن دستور قال إنه "بنى الدولة طائفيا"، وعن فصائل تحولت من العمل خارج الدولة إلى السيطرة على مفاصلها، وعن فساد وصل إلى حد مشاريع وهمية ومستشفيات تُفتتح على الورق ولا وجود لها على الأرض، إضافة إلى محاولات، كما كشف، لإطفاء عشرات المليارات من الدولارات من دون معرفة مصيرها.
النجيفي: الدستور العراقي طائفي
قال أسامة النجيفي إنّ أزمة العراق بدأت من النص المؤسس للدولة الجديدة، مؤكداً أنه كان من الرافضين للدستور عند كتابته، حين كان وزيرا في الحكومة، إلى جانب خمسة وزراء آخرين أعلنوا موقفهم بصراحة.
وأوضح أنّ الدستور، وفق رأيه، "بنى الدولة طائفيا" وبطريقة غير واضحة، مشيرا إلى وجود فقرات لا يمكن تفسيرها تفسيرا منطقيا، وأخرى فُتحت على اجتهادات سياسية أضرت بمسار الحكم.
ولفت النجيفي إلى أنّ المادة 142، التي نصت على تعديل الدستور بعد ستة أشهر من بدء العمل به، وُضعت لامتصاص اعتراض الرافضين، لكنها بقيت حبرا على ورق لأكثر من عشرين عاما.
واعتبر أنّ أزمة الدستور لم تتوقف عند النصوص، بل ظهرت في محطات سياسية مفصلية، أبرزها انتخابات عام 2010، حين لم تُمنح القائمة العراقية الفائزة فرصة تشكيل الحكومة، بسبب تفسير قضائي وصفه النجيفي بأنه "منحرف وغير واضح"، ما أدى، برأيه، إلى تكرار الخلل في الحكومات اللاحقة.
الجيش العراقي يجب أن يبقى بعيدا عن السياسة
وفي ملف السلاح، حذر النجيفي من التعامل مع قضية الفصائل المسلحة بمنطق الدمج السريع أو الشكلي داخل الدولة، معتبرا أنّ الخطر يكمن في أن تتحول مؤسسات الدولة نفسها إلى امتداد للسلاح الذي كان خارجها.
وقال إنّ قوى سياسية تمتلك أجنحة مسلحة كانت موجودة منذ بداية العملية السياسية، لكنها بعد عامي 2014 و2018 توسعت بشكل كبير، فأصبح لها نواب ووزراء وشركات ونفوذ اقتصادي واضح.
وشدد النجيفي على أنّ أيّ معالجة لملف السلاح، يجب أن تتم بحكمة وقانونية وتراتبية صحيحة، عبر بناء مؤسسات أمنية غير حزبية، مؤكدا أنّ قوة الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية تكمن في حياديتها وابتعادها عن السياسة.
وأضاف، أنّ سيطرة السياسة على الأمن والاقتصاد والسلطات، تؤدي إلى تشويه الدولة، وإلى فشل كامل في العملية السياسية وفي بنية الدولة لاحقا.
جهات تريد قطع العراق عن محيطه العربي
وتطرق النجيفي إلى علاقة العراق بمحيطه العربي، معتبرا أنّ البلاد دفعت ثمنا كبيرا لعزلها عن المنطقة، رغم امتلاكها فرصا واسعة للانفتاح الاقتصادي والسياسي مع سوريا والأردن والسعودية ودول الخليج.
وأشار إلى أنّ العراق كان قادرا على بناء بدائل إستراتيجية في ملف الطاقة، مثل مد أنابيب نحو الأردن أو سوريا أو دول أخرى، بدلا من البقاء رهينة أزمات الممرات والتصدير.
وقال النجيفي، إنّ هناك جهات داخل العراق لا تريد التعامل مع المنطقة العربية، ولا مع سوريا الجديدة، ولا مع الأردن، ولا مع السعودية، ولا مع الخليج، بل إنّ بعض هذه الجهات يعلن أنّ تلك الدول عدوة ولا يقبل بوجود مصالح لها في العراق.
وأكد أنّ هذا التوجه لا يعبّر عن إرادة العراقيين، قائلا، إنّ العراق يريد الانفتاح على العرب والتعاون معهم، لأنه جزء من هذه الأمة، معتبرا أنّ ما حدث كان انحرافا كبيرا يجب تصحيحه لمصلحة جميع العراقيين، بكل طوائفهم وقومياتهم.
مستشفى غير موجود.. نموذج صادم للفساد في العراق
وفي حديثه عن الفساد، قال النجيفي إنّ المشكلة تصبح بلا علاج عندما يكون صاحب القرار نفسه شريكا في الفساد، معتبرا أنّ الدولة التي تُسرق أموالها لا يمكن أن تُبنى في أيّ قطاع من قطاعاتها.
وكشف عن وجود مشاريع وهمية في العراق، بينها مستشفى قال إنه أُعلن عنه، وصُرفت له السلف المالية، وقُدمت بشأنه نسب إنجاز، ثم افتُتح على الورق، وصُرفت له أدوية، وعيّن له أطباء، قبل أن يُكتشف لاحقا أنه غير موجود أصلا.
واعتبر أنّ هذه الحالة ليست معزولة، بل تشبهها مشاريع أخرى في الجسور والطرق والبنى التحتية، متسائلا: كيف يمكن بناء بلد بهذه الطريقة.
كما انتقد النجيفي خروج بعض المحكومين في قضايا فساد من السجون بتدخلات سياسية، واستقبالهم وكأنهم "فاتحون"، قائلا إنّ ما يحدث يبدو أحيانا أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة.
وتحدث أيضا عن "سرقة القرن"، قائلا إنّ جهات أساسية في البلد شاركت فيها، وإنّ حجم الأسماء وخطورة الملف أديا إلى السكوت عنه بشكل أو بآخر.
النجيفي: رفضت إخفاء سرقة 32 مليار دولار
وفي واحدة من أبرز محطات اللقاء، كشف النجيفي أنه خلال توليه رئاسة مجلس النواب، واجه محاولات وضغوطا لتمرير ملفات مالية ضخمة من دون مساءلة.
وقال إنّ البرلمان، في عهده، حقق في قضايا مهمة، من بينها فضيحة البنك المركزي، حيث جرى التحقيق وإحالة محافظ البنك وعدد من المتورطين إلى القضاء.
وأضاف أنّ إحدى أخطر المحطات كانت حين قُدم له طلب لإطفاء مبلغ قدره 32 مليار دولار، بحجة وجود خلل في الحسابات وضرورة تصفير المبلغ لبدء الحسابات الختامية بطريقة منضبطة.
وأكد النجيفي أنه رفض الطلب بشكل كامل، ولم يسمح بعرضه على البرلمان أصلا، قائلا إنه لا يمكن إطفاء مبالغ هائلة من دون معرفة من أخذها ومن تصرف بها.
كما أشار إلى أنّ البرلمان علم، عبر البنك الدولي، بوجود صرف يقارب 7 مليارات دولار خارج الموازنة، من دون أن تُبلغ الحكومة أو أيّ جهة رسمية البرلمان بذلك، ما دفع إلى تشكيل لجان تحقيق في قضايا فساد وتسريب أموال إلى خارج العراق.
وختم النجيفي بالتأكيد أنّ النظام السياسي لم يسمح للبرلمان بالتحرك بحرية كاملة أو الوصول إلى نتائج في كل الملفات، معتبرا أنّ العراق لا يمكن أن يستعيد دولته ما دامت منظومة الفساد والسلاح والمال السياسي قادرة على تعطيل القانون ومصادرة القرار.
(المشهد)