يعتبر تلويح بعض الأطراف في لبنان بالنزول إلى الشارع، تصعيداً للأزمة التي اندلعت في الآونة الأخيرة حول مواقف الحكومة برئاسة نواف السلام ومحاولاتها نزع سلاح "حزب الله"، والمفاوضات الجارية مع إسرائيل بشأن الجبهة الجنوبية.
"حزب الله" والحكومة
في التفاصيل، وباستحضاره حق النزول إلى الشارع لكسر أي طريق يُعتبر معادياً للمقاومة، وضع أمين عام "حزب الله" نعيم قاسم التعبئة الشعبية في صميم ميزان القوى.
ومع أن واشنطن ردت عليه بدعم مباشر للحكومة، إلا أن بيروت تخشى الآن من أن تتحول معركة الضمانات إلى أزمة داخلية.
في الواقع، يعتبر الشارع اللبناني أداة ضغط يحسب لها حساب، فهو ليس مجرد ساحة سياسية فحسب، بل يحمل في طياته ذكريات ومخاوف وعلاقات قوة وتجاوزات، وهو قادر على تغيير حسابات الفاعلين، أو رفع تكلفة أي قرار، أو إضعاف موقف "حزب الله"، أو عرقلة أي خطة عمل آمنة.
وعندما يتحدث مسؤول في "حزب الله" عن إمكانية النزول إلى الشارع، فإن الرسالة تتجاوز هنا الاحتجاج التقليدي.
فهو يؤكد بذلك أن الحزب لن يقتصر رده على القنوات المؤسسية إذا ما دخل ملف أسلحته مرحلة مفروضة من الخارج.
وهذا ما قاله بوضوح أمين عام "حزب الله" للحكومة إن أي قرار يُتخذ تحت ضغط أميركي أو إسرائيلي يمكن مواجهته بالتعبئة المباشرة.
وتأتي هذه الصيغة المنسوبة إلى نعيم قاسم في وقت تشهد فيه المنطقة مفاوضات إقليمية غير مستقرة تشمل لبنان، حيث تناقش الولايات المتحدة وإيران حلاً وسطاً لتجنب استئناف أوسع للحرب.
ميدانيا، ترغب إسرائيل في الحفاظ على حرية تحركها في لبنان. في المقابل، تسعى حكومة نواف سلام إلى الدفاع عن سلطة الدولة، والسعي لوقف فعلي للغارات في الجنوب.
من جهته، حدد "حزب الله" أولوياته بالفعل، إذ رفض مناقشة أسلحته قبل توقف الهجمات الإسرائيلية، والانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وإطلاق سراح الأسرى، وعودة النازحين.
ويتيح له هذا التسلسل اعتبار سلاحه ضروريا في وجه خطر لا يزال قائمًا، كما يسمح له برفض أي طلب لنزعه باعتباره ضغطًا من واشنطن وتل أبيب.
وهنا تجد حكومة سلام نفسها في قلب التوتر. فعلى الرغم من أنها تلقت دعمًا أميركيًا بعدما أدان وزير الخارجية ماركو روبيو التهديدات الموجهة ضدها، وندد بمحاولة "حزب الله" إعادة لبنان إلى الفوضى، إلا أن هذا الدعم قد يتحول إلى خطر داخلي عندما تجد نفسها في مواجهة مع مكون اجتماعي قد يحول موقفها إلى اختبار للتعايش والعيش المشترك.
لذلك، فإن تحذيرات رجال الدين والمسؤولين بشأن ضغط الشارع وتأثيره على العيش المشترك في بيروت ليست مجرد مسألة أخلاقية، بل تعبر عن خوفٍ حقيقي من الانزلاق نحو مستنقع اضطرابات لن يخدم أحدا وتكون عواقبه مدمرة.
(المشهد)