العدالة الانتقالية في سوريا.. هل تعرقل الإعدامات كشف مصير المفقودين؟

آخر تحديث:

شاركنا:
ملف المفقودين وضع دمشق أمام خيارات صعبة (رويترز)

تواجه السلطات السورية معضلة معقدة في مسار العدالة الانتقالية، إذ يتصاعد الجدل حول مصير المتهمين بارتكاب جرائم حرب خلال حكم النظام السابق، وسط مطالب شعبية بإنزال أقصى العقوبات بحقهم، مقابل تحذيرات من أن تطبيق عقوبة الإعدام قد يعرقل التعاون الدولي الضروري لكشف مصير آلاف المفقودين.

وأشار تقرير لصحيفة "فورين بوليسي" إلى أنه عندما ألقت السلطات السورية القبض مؤخرًا على أمجد يوسف، المعروف أيضًا باسم "جزار تضامن"، احتفل سكان ضاحية دمشق في الشوارع. لم يكن هناك شك يُذكر في تورطه في جرائم حرب، إذ تم توثيق بعض فظائعه بالفيديو.

ففي منطقة تمزقها الصراعات الطائفية، يُربط العدل أحياناً بالقصاص. يقول جاد نوري، خريج كلية الحقوق حديثاً في دمشق: "نحن بحاجة إلى أعلى درجات المساءلة. الشعب بحاجة ماسة إلى محاسبة هؤلاء المجرمين. يجب إعدامهم شنقاً".

العدالة الانتقالية

لكن هذا المطلب يُشكّل معضلة محتملة لحكومة الرئيس أحمد الشرع، الذي يقود سوريا منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024.

يحتاج الشرع بشدة إلى تعاون المجتمع الدولي لتحقيق الاستقرار في بلاده، وإرساء قدر من العدالة، وطمأنة أسر القتلى والمفقودين، وإنعاش الاقتصاد المتعثر.

ويحتاج تحديدًا إلى مساعدة المنظمات الدولية، بما فيها المؤسسة المستقلة للأمم المتحدة المعنية بالمفقودين في سوريا، واللجنة الدولية المعنية بالمفقودين، وهي منظمة حكومية دولية مقرها لاهاي، تمتلك التكنولوجيا اللازمة، بما في ذلك فحص الحمض النووي، لتحديد هوية الضحايا المدفونين في 66 موقعًا على الأقل يُشتبه في أنها مقابر جماعية في أنحاء البلاد.

يقول محامي حقوق الإنسان والمدعي العام ذو الخبرة الواسعة في تمثيل ضحايا الأنظمة الديكتاتورية الوحشية ريد برودي: "تمتلك مؤسسة الأمم المتحدة المعنية بالمفقودين، IIMP، مفتاح تحديد هوية عشرات الآلاف الذين اختفوا في سجون الأسد. لكن هذه المؤسسة تعمل وفقًا لقواعد الأمم المتحدة التي تحظر التعاون مع الدول التي تطبق عقوبة الإعدام".

وأضاف التقرير أن "قواعد اللجنة الدولية لشؤون المفقودين أقل وضوحًا، لكن إذا ما تعرقلت مساعدتها، فقد تواجه الحكومة صعوبة في تحديد هوية "المختفين قسرًا".

ويعود ذلك جزئيًا إلى أن العقوبات المفروضة خلال عهد الأسد منعت سوريا من الحصول على أدوات فحص الحمض النووي، وجزئيًا إلى أن الحكومة الحالية لا تستطيع تحمل تكلفة شرائها بنفسها. وأضاف برودي أن إعدام مرتكبي الفظائع الآن قد "يقطع التعاون الدولي الذي تحتاجه سوريا.

وبدأت في أبريل أولى محاكمة مسؤول من عهد الأسد متهم بارتكاب جرائم عاطف نجيب، ابن خال الأسد، كان يقود الجهاز الأمني في بداية الحرب. 

ليست هذه أولى محاكمات جرائم الحرب المرتبطة بسوريا، فعلى مدى أكثر من عقد، أصدرت محاكم أوروبية أحكام إدانة في دولٍ منها ألمانيا والسويد وفرنسا وهولندا، حيث أُلقي القبض على الجناة.

وهذه أول محاكمة في العالم تُعامل تجويع المدنيين عمدًا كجريمة حرب، لكن سوريا تُصرّ على إجراء هذه المحاكمات على أراضيها، أمام قضاة سوريين، ليتمكن أهالي الضحايا من الحضور ومتابعة العدالة بأنفسهم.

المحاكمات في أوروبا

وهنا أيضًا، من شأن عقوبة الإعدام في محاكمة سورية أن تُعقّد الأمور، فمعظم الدول الأوروبية تحظر تسليم المجرمين إلى الدول التي يواجه فيها المتهم الإعدام، وبالتالي لن تتمكن من إعادة السجناء إلى سوريا. (وقد لجأ الأسد نفسه إلى روسيا، التي ترفض تسليمه للمحاكمة).

وثمة تحدٍ آخر يتمثل في النظام القضائي السوري نفسه، فقد فرّ العديد من قضاة عهد الأسد من البلاد أو أُجبروا على ترك مناصبهم، ولا يتضمن قانون العقوبات الحالي تحديدًا جرائم ضد الإنسانية، أو جرائم حرب، أو جرائم تتعلق بمسؤولية القيادة.   

(ترجمات)