يسير نحو الهاوية.. الحرس الثوري يحكم قبضته على إيران

شاركنا:
انتقادات في إيران تطال مقال جواد ظريف بـ"فورين أفيرز" وتكشف هيمنة "الحرس الثوري" (أ ف ب)
هايلايت
  • مقال جواد ظريف يثير انتقادات حادة في إيران ومطالبات للقضاء بمحاسبة.
  • مراقبون: وزير الخارجية الإيراني السابق يسعى إلى إعادة موضعة تياره بالسلطة.
  • "الحرس الثوري" هو من يتخذ القرار على حساب أطراف أخرى بالسلطة بما فيهم الرئيس.

مثّل مقال وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف في مجلة "فورين أفيرز"، محاولة تقليدية لنظام الملالي الذي لا يتوانى عن إدارة أزماته عبر الاستدارة نحو الوجوه الإصلاحية في لحظات الأفول، ومن ثم، بعث برسائل أقل حدة وعقلانية، ظاهريًا، بينما تشي بما هو ما سياسي، مرن وبراغماتي، على حساب منطق الكتل الصلبة المتشددة والراديكالية.

الدور الوظيفي

الدور الوظيفي للقوى الإصلاحية لا يعدو كونه مجرد أمر عرضي أو مباغت، بل له سوابق عديدة. غير أنه في سياق الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران يؤشر إلى جملة تناقضات في ظل سيطرة كلية، على مستوى الخطاب السياسي وميدانيًا، لـ"الحرس الثوري".

ومن ثم، فإن الثنائية القديمة والتقليدية للنظام من خلال المراوحة أو بالأحرى المراوغة بين الإصلاحيين والمتشددين، تنكشف تلفيقيتها في ظل تسيُّد القوى الراديكالية المتشددة على مفاصل الحكم، وتغلغلها في بنية السلطة، بحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد".

إذ إن هذا الدور الوظيفي لا يبدو مؤقتًا أو مرحليًا فقط، إنما يحقق هدفًا مزدوجا: إدارة انتهازية للأزمات، والتعمية عن مصادر القوة ومرتكزاتها، وذلك من خلال "كسب الوقت" الذي يعتمد عليه "الولي الفقيه" في أزماته الخارجية كافة.

وقد سبق لظريف أن كشف، في تسريب صوتي قبل أعوام، عن "عسكرة" "الحرس الثوري" لوزارة الخارجية، للدرجة التي وصف فيها قائد "فيلق القدس" الأسبق قاسم سليماني بأنه كان يرهن كل جهوده لصالح ما يخدم مصالحه الميدانية العسكرية والإستراتيجية.

الميدان قبل السياسة

وفي ظل هذه التبعية التي تجعل الميدان والرؤية العسكرية لـ"الحرس" لهما الأولوية على حساب ما هو سياسي، فإن ظريف قد اتهم سليماني بإفساد المفاوضات النووية، مثلًا، الأمر الذي نجم عنه أن يصبح الدور الدبلوماسي للوزير يعادل "صفرًا" بحسب ما جاء في التسريب الصوتي.

بالتالي، ليس غريبًا أن تطال الانتقادات الإيرانية الرسمية مقال ظريف في المجلة الأميركية، مؤخرًا، بينما تصل حد التهديد بسلطة القضاء، فضلًا عن إصدار النيابة العامة بإيران تحذيرًا موجّهًا للنخبة السياسية، ومن يمتلكون منصات إعلامية أو تأثيرًا في المجال العام، مفاده: "أثناء هذه الحرب، يجب على الشخصيات العامة وأصحاب المنصات الامتناع عن إبداء آراء أو نشر مواد تتعارض مع المصالح الوطنية، والوحدة الوطنية، والتماسك الاجتماعي، أو تتجاوز حدود صلاحياتهم".

ووصفت صحفية "كيهان"، التي يتم تعيين رئيس تحريرها من قبل المرشد الإيراني، مقترحات التسوية السياسية التي عرضها ظريف لإنهاء الحرب، بأنها بمثابة "إذعان" و"خضوع للأعداء". فيما عمد رئيس التحرير حسين شريعتمداري إلى تأليب السلطة القضائية ضده ومحاسبته على ما ورد بالمقال.

صناع القرار

وفي حديثه لمنصة "المشهد" يقول المحلل السياسي الإيراني وجدان عبد الرحمن، إن ظريف، بفعل خبرته العميقة بالسياسة الأميركية وعمله الدبلوماسي في نيويورك، بالإضافة إلى توليه منصب وزير خارجية إيران، يمتلك فهمًا معمّقًا للعقلية الغربية، وخصوصًا عقلية صناع القرار في الولايات المتحدة. هذا الوعي جعله يدرك حجم المخاطر التي تواجه النظام الإيراني، ويشرح خلفية مواقفه في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

وأضاف عبد الرحمن: "خلال فترة توليه المنصب، اصطدم ظريف بالتيار المتشدد داخل النظام، نتيجة رؤيته لما لا يراه الآخرون، ومن منطلق حرصه على استقرار النظام والجغرافيا الإيرانية. إلا أن محاولاته كانت محدودة، إذ ظل التيار المتشدد مسيطرًا، ويفرض قبضته الخشنة على القرار السياسي عبر مكتب المرشد السابق علي خامنئي ونفوذ "الحرس الثوري".

ونتيجة لذلك، غالبًا ما تحوّل وزير الخارجية إلى ناقل رسائل أو "ساعي بريد"، في حين بقي رئيس الجمهورية "بلا سلطة فعلية لجهة صُنع القرار"، على حد توصيف المحلل السياسي الإيراني.

فيما يشير عبد الرحمن إلى أنه ومع التحولات القائمة، يعزز "الحرس الثوري" قبضته على مفاصل السلطة، ويهيمن على النظام، حتى بات "اللاعب الأكثر تأثيرًا"، سواء بوجود المرشد مجتبى خامنئي أو تحت تأثير مراكز القوة المحيطة به. بالتبعية، يبدو أن شخصيات مثل قائد "الحرس" أحمد وحيدي تتفوق في النفوذ على رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، الذي يواجه قيودًا جمّة حتى في القرارات الداخلية كالتعيينات الوزارية.

أما محمد جواد ظريف، فيبدو اليوم "فاقدًا لأي قدرة سياسية أو تنفيذية ملموسة"، والحديث للمصدر ذاته، موضحًا أن الدول الغربية لم تعد تأخذ توصياته بعين الاعتبار كما أن "الحرس الثوري" لا يمنحه وزنًا حقيقيًا. بل إن ظهوره قد يحمل مخاطر على موقعه، في وقت يسعى فيه إلى "تلميع" صورة النظام أو الحفاظ على ما تبقى من تأثيره الإقليمي والدولي.

"زوبعة في فنجان"

ومن جهته، يقول المحلل السياسي المختص بالشأن الإيراني نزار جاف، إن الانتقادات التي واجهها وزير الخارجية الإيراني السابق من جراء مقاله المنشور في "فورين أفيرز" بينما دعا إلى تقديم تنازلات متبادلة بين إيران والولايات المتحدة من أجل وقف الصراع، بل وحتى التهديدات التي صدرت بحقه، لم تکن سوى "زوبعة في فنجان".

وتابع جاف في حديثه لـ"المشهد" أن ظريف وقبل ذلك التيار الإصلاحي الذي ينتمي إليه، امتداد للنظام خروج عليه، وهو يرى مصلحة النظام في أن يکون "مرنًا ومنفتحًا بعض الشيء. والأهم من ذلك أن هذا التيار قد تم تأسيسه بعد أن أخذ موافقة مسبقة من المرشد السابق خامنئي الأب أيام الرئيس السابق محمد خاتمي، وذلك لإخراج النظام من عزلته ولمنحه عمقًا شعبيًا أقوى بعد أن أصبح يواجه رفضًا شعبيًا متزايدًا".

الملاحظة الجوهرية هنا أن مؤسس التيار الإصلاحي محمد خاتمي، وفق المحلل السياسي المختص بالشأن الإيراني "لم يكن يملك الشجاعة التي أبداها الرئيس روحاني ووزير خارجيته ظريف، عندما تجاوزا حدود التقليدي السياسي داخل النظام وطرحا تغييرات تمس جوهر "ولاية الفقيه". ويأتي ذلك على غرار مقترحات روحاني والإفصاحات التي تضمنها كتاب ظريف الأخير "عمق الصبر"، والذي كشف من خلاله عن توترات بين الدبلوماسية والمؤسسة العسكرية، وتناول دور قاسم سليماني و"الحرس الثوري" الإيراني".

وتابع: "الانتقادات الأكثر حدة لظريف، خصوصًا تجاه سليماني، كانت قد تصاعدت بعد تسريب تسجيل صوتي له عام 2021، تناول خلاله سيطرته على ملفات التفاوض وخلافات متعلقة بسوريا، وواجه ردود فعل أقوى بكثير من ردود الفعل الحالية. ومع ذلك، يبدو أن هدف ظريف من مقاله في "فورين أفيرز" لم يكن مجرد النقد، بل إعادة تياره الإصلاحي إلى دائرة الفعل السياسي في ظل الظروف الحرجة الراهنة، ومحاولة تأمين موطئ قدم له داخل إيران وعلى الساحة الدولية، مع مراهنته على دوره في المرحلة المقبلة".

ويختم حديثه مؤكدًا أن هذه المحاولة لأحد رموز التيار الإصلاحي بموضعة نفسه وتياره من جديد بالسلطة، بعثت بامتعاض التيار المتشدد، خصوصًا "الحرس الثوري" الذي يسيطر اليوم على مؤسسات النظام، ويرفض مزايحة أي طرف له. فيما حرص جواد ظريف على صياغة مقترحه بدقة وحذر بالغين، مع تصاعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سعيًا لتوجيه النظام نحو القبول بمطالبه، وإنهاء الحرب عبر مسار تفاوضي محتمل. 

(المشهد)