ترامب يرحّل السوريين قسراً.. وحقوقيون يرسمون مسارات الحل

شاركنا:
إدارة ترامب قررت إنهاء وضع الحماية المؤقتة للسوريين (إكس)
هايلايت
  • إدارة ترامب قررت إنهاء وضع الحماية المؤقتة (TPS) للسوريين.
  • واشنطن تمهل المهاجرين السوريين 60 يوما لمغادرة أميركا.
  • حقوقيون لـ"المشهد": القرار مجحف والعودة يجب أن تكون طوعية.
  • خبراء يحذرون: الأسباب والمخاطر لم تنتهِ بعد سقوط الأسد.

في خطوة قلبت موازين حياة آلاف السوريين، أعلنت وزارة الأمن الداخلي الأميركية أن إدارة الرئيس دونالد ترامب قررت إنهاء وضع الحماية المؤقتة (TPS) للسوريين، وهو البرنامج الذي سمح لهم لأكثر من عقد بالإقامة والعمل بشكل قانوني في الولايات المتحدة.

وبهذا القرار، بات السوريون في أميركا أمام خيارين أحلاهما مر: المغادرة الطوعية خلال 60 يوما أو مواجهة الاعتقال والترحيل القسري.

وفي هذا السياق يؤكد الأكاديمي والباحث في المجلس الوطني للعلاقات العربية الأميركية في واشنطن الدكتور فادي حيلاني في حديثه لمنصة "المشهد" أنه يمكن للبعض بعد انتهاء مهلة الـ60 يوما التقدم بطلب لجوء إذا أثبتوا أنهم مهددون بالاضطهاد على أساس سياسي أو ديني أو اجتماعي. ويمكن لمن تتوفر لديه شروط محددة الحصول على إقامة من خلال الدراسة أو العمل أو لمّ الشمل العائلي وفي حال تقديم طلب لجوء قبل بدء الترحيل يحق لهم البقاء قانونياً حتى البت في الطلب، وقد يختار بعضهم المغادرة الطوعية لتجنب الترحيل القسري.

ما هو برنامج الحماية المؤقتة (TPS)؟

البرنامج الذي أنشئ كملاذ إنساني في وجه الحروب والكوارث، صُمم خصيصًا لمنح رعايا دول تعاني من نزاعات مسلحة، أزمات إنسانية، أو كوارث طبيعية، فرصة للبقاء والعمل في أميركا إلى حين تحسن الأوضاع في أوطانهم.

وقد أدرجت سوريا في هذه القائمة منذ عام 2012 بسبب الحرب، وظل القرار يمدد مرارا، وكان آخرها خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن في سبتمبر الماضي.

وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، يستفيد نحو 6 آلاف سوري من البرنامج حاليا، واليوم أصبحوا أمام ساعة عد تنازلي لا تتجاوز 60 يوما للمغادرة، وإلا فسيواجهون خطر الترحيل القسري.

وإذا كان بايدن قد رفع عدد المستفيدين من البرنامج بمختلف الجنسيات إلى أكثر من مليون، فإن إدارة الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب تسير في الاتجاه المعاكس، منهية الحماية عن جنسيات مثل الفنزويليين، الهايتيين، النيكاراغويين، والأوكرانيين.

ترحيل السوريين من أميركا

وتبرر واشنطن قرارها بالقول إن الظروف تغيرت، فقد صرحت مساعدة وزيرة الأمن الداخلي، تريشيا ماكلافلين، أن: "الأوضاع في سوريا تحسنت ولم تعد تمنع مواطنيها من العودة إلى وطنهم، السماح للسوريين بالبقاء في بلدنا يتعارض مع مصلحتنا الوطنية، كما أن برنامج الحماية المؤقتة من المفترض أن يكون مؤقتا".

لكن في المقابل، يرى خبراء الهجرة أن "التحسن المزعوم" ما هو إلا قراءة سياسية أكثر من كونه واقعا ميدانيا.

‏وفي تصريحات خاصة لمنصة "المشهد"، قال الناشط الحقوقي نادر حلبوني: "أعتقد أن الأسباب هي أسباب سياسية بالنظر إلى عدد السوريين الموجودين في أميركا الذين ينطبق عليهم الحماية المؤقتة، بالنسبة لي، هذا العدد لا يشكل أي ضغط إنساني أو اقتصادي أو عملي".

ويضيف الحلبوني شارحا جوهر البرنامج: "هذا البرنامج تمنحه وزارة الأمن الداخلي الأميركية لرعايا دول تعاني من حروب أو اضطهادات عرقية أو دينية أو نزاعات مسلحة أو كوارث طبيعية أو ظروف تجعل العودة إليها خطرة، ويمنح المستفيدين حق الإقامة والعمل بشكل قانوني مؤقت".

بدوره، أكد حيلاني أن وجود "نشاط متطرف" في سوريا يُعد من العوامل التي استخدمتها الإدارة كجزء من الحجج بأن بقاء السوريين بموجب الحماية المؤقتة بات يتعارض مع "المصلحة الوطنية".

انتقاد وتحذير

الاعتراض لم يتوقف عند الحقوقيين فقط، بل وصل إلى خبراء الهجرة، فبحسب تقرير "نيويورك تايمز"، يرى هؤلاء أن الأوضاع في سوريا ما تزال غير مستقرة، وأن السوريين لم يشكلوا عبر تاريخهم خطرا إرهابيا يستدعي مثل هذا القرار.

ويضيفون أن إنهاء حكم عائلة الأسد لم ينهِ جذور الصراع الطائفي أو احتمالات عودة العنف.

وفي حديثه لـ"المشهد" اعتبر الحلبوني أن:"القرار خطير ومجحف خصوصًا في هذا الوقت، لأن مسألة العودة إلى سوريا يجب أن تكون إرادية وليست بهذه الطريقة، وخصوصًا أن من خرج من سورية لم يكن خروجًا للنزهة أو للسياحة أو لفرصة عمل أفضل".

ويتابع محذرًا: "هذا القرار سيشجع باقي الدول التي لديها لاجئين على تسريع طردهم، سورية الآن بحاجة إلى أبنائها ولكن من خلال طرق سليمة للعودة الطوعية فقط، لأنها تحتاج إلى إعادة بناء، وأغلب مساكن اللاجئين مهدمة".

من جانبها، علقت أماندا باران، الرئيسة السابقة لسياسة خدمات الهجرة في إدارة بايدن قائلة: "قرار إنهاء البرنامج ينهك آلاف السوريين الحاصلين على برنامج الحماية المؤقتة والمجتمعات التي يعيشون فيها، لا تزال الأوضاع في سوريا خطيرة وغير مستقرة، مما يستدعي بوضوح تمديده بموجب القانون".

خيارات السوريين بعد قرار ترامب

الحلبوني أوضح في حديثه لـ"المشهد" أن المتضررين من القرار الجديد يستطيعون تجاوزه من خلال ما يلي:

1. المسار القانوني

  • الطعن في القرار أمام المحاكم الأميركية: يمكن للمستفيدين رفع قضايا فردية أو جماعية لإيقاف الترحيل، خصوصًا أن هناك سوابق قضائية علّقت قرارات مشابهة.
  • تقديم طلبات لجوء إنساني فردية: كل حالة يمكن أن تدرس بشكل منفصل، خصوصًا إذا كان سبب اللجوء لا يزال قائما في سوريا.
  • الاستعانة بمحامين مختصين بقضايا الهجرة: لتقديم الاستشارات القانونية ومتابعة الملفات بشكل يضمن أكبر قدر من الحماية.

2. تعديل الوضع القانوني

  • الحصول على عقود عمل دائمة: الانتقال من الاعتماد على الحماية المؤقتة إلى إقامة مبنية على العمل.
  • الاستغناء عن المساعدات الحكومية: لإظهار القدرة على الاعتماد الذاتي، وهو عامل يحسن فرص تغيير الوضع القانوني.

3. الدعم الدولي والحقوقي

  • اللجوء إلى المنظمات الإنسانية: مثل الأمم المتحدة وهيئات حقوق الإنسان لممارسة ضغط سياسي على الإدارة الأميركية.
  • التنسيق الجماعي: توحيد جهود السوريين مع منظمات حقوقية أميركية ودولية قد يزيد من فرص الضغط لتأجيل أو إلغاء القرار.

في المقابل، يجد حيلاني أن القانون ينص على أنّه "لا يوجد استئناف قضائي" لقرار تحديد أو إنهاء الحماية المؤقتة لدولة معينة، بمعنى أنّ القرار بإعطاء أو إلغاء هذا الوضع ليس قابلاً للطعن من حيث المبدأ.

ويضيف "مع ذلك، قد يكون هناك مجال للطعن في تفاصيل التطبيق، مثل اعتقال شخص بطريقة غير قانونية أو انتهاك حقوقه الدستورية، ويمكن تقديم دعاوى لوقف تنفيذ الترحيل في حالات فردية إذا وُجد خطر شخصي واضح".

أما فيما يتعلق بتقديم شكاوى حقوقية إلى مفوضية شؤون اللاجئين أو هيئات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، يؤكد حيلاني لـ"المشهد" أن "هذه الجهات لا تملك سلطة تنفيذية على الولايات المتحدة، وتقتصر أدواتها على الضغط السياسي والدبلوماسي".

أما فيما يخص دعم المنظمات الأممية والمجتمع الدولي، فيؤكد حيلاني أنه يمكن التدخل لحماية حقوق السوريين عبر:

  • توفير دعم قانوني مباشر للاجئين المهددين بالترحيل.
  • الضغط السياسي والدبلوماسي على الولايات المتحدة لمراجعة القرار.
  • إصدار تقارير موثقة عن الوضع في سوريا لإثبات أنّ العودة غير آمنة.
  • البحث عن برامج إعادة توطين أو حماية بديلة في دول أخرى.
  • إشراك الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية في مراقبة التنفيذ وتوثيق الانتهاكات.
  • مساندة الجاليات السورية في الخارج عبر تقديم الدعم القانوني والمادي والنفسي

قرارات مشابهة وحلول مطروحة

لم يكن السوريون وحدهم المستهدفين، فبالتوازي، طلبت إدارة ترامب من المحكمة العليا إصدار أمر طارئ لإلغاء الحماية المؤقتة لأكثر من 300 ألف فنزويلي.

ومع أن محكمة الاستئناف في سان فرانسيسكو علقت سابقا قرارات مماثلة معتبرة أنها "أنهت البرنامج بشكل خاطئ"، إلا أن المحكمة العليا كانت قد ألغت في مايو الماضي حكما مشابها منح الحماية لمئات آلاف الفنزويليين.

واختتم حيلاني حديثه لـ"المشهد" بمجموعة من التوصيات العملية التي يجب على السوريين اتباعها لتجنب الاحتجاز أو الترحيل تتمثل بما يلي:

  • استشارة محامين مختصين فوراً لمعرفة الخيارات المتاحة.
  • تقديم طلبات اللجوء أو تغيير الوضع قبل انتهاء المهلة.
  • الاحتفاظ بجميع الوثائق الرسمية والشخصية المهمة.
  • توثيق أوضاعهم وتجاربهم بما يدعم ادعاءاتهم بالخطر في حال العودة.
  • التواصل مع منظمات المجتمع المدني والحقوقية للحصول على الدعم.
  • عدم مواجهة أي إجراءات ترحيل دون تمثيل قانوني.
  • النظر في خيارات التأشيرات أو الإقامة البديلة إن توفرت الشروط.

ما بين مبررات واشنطن الرسمية ومخاوف الحقوقيين، يجمع خبراء أن القرار الأميركي أكثر من مجرد إجراء إداري، فربما يحمل في طياته رسالة سياسية تحمل ثمنًا إنسانياً باهظًا.

ففي وقت تقول فيه الإدارة إن "الأوضاع في سوريا تحسنت"، يرد ناشطون بأن العودة لا تزال محفوفة بالمخاطر، وأن فرضها قد يعني دفع آلاف الأسر السورية إلى مستقبل غامض. 

 

(المشهد)