إضاءة الروشة بصور نصرالله تُشعل اختبار السيادة في لبنان

آخر تحديث:

شاركنا:
الحكومة اللبنانية تحركت لحماية المعالم الوطنية من التسييس (رويترز)

تحوّل المشهد في بيروت مساء الخميس، إلى مواجهة رمزية بين الدولة اللبنانية والنفوذ الحزبي، بعدما أقدم مناصرون لـ"حزب الله" على إضاءة صخرة الروشة بصور الأمين العام الراحل للحزب حسن نصر الله ونائبه هاشم صفي الدين، في تحدٍّ مباشر لقرار حكومي يمنع استغلال المعالم الوطنية لأغراض سياسية أو دعائية.

وفي هذا الصدد، أصدر رئيس الحكومة نواف سلام مساء الخميس توجيهات إلى وزراء الداخلية والعدل والدفاع بفتح تحقيقات فورية واتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يثبت تورطه في تنفيذ عملية الإضاءة أو التحريض عليها.

ووصف ما جرى بأنه "انتهاك صارخ لقرارات الدولة وشروط الترخيص"، مؤكداً أنه "لا تهاون في مواجهة هذه السابقة الخطيرة التي تمسّ بهيبة الدولة".

إجراءات فورية وتحقيقات قضائية

ردّاً على الحادثة، دعا سلام إلى اجتماع وزاري استثنائي في السراي الكبير لتوحيد الموقف الرسمي من الانتهاك الذي طال أحد أبرز رموز العاصمة.

واستمر الاجتماع التشاوري حتى الـ6 مساءً، ليُدلي بعده نائب رئيس الحكومة طارق متري ببيان أكّد فيه أنّ اللقاء عُقد "حول دولة الرئيس نواف سلام، تأكيداً لتضامن الحكومة رئيساً وأعضاء، وللتشديد على السياسة التي التزمت بها في بيانها الوزاري، القائمة على بسط سيادة الدولة اللبنانية بقواها الذاتية على كامل أراضيها".

وأوضح متري أنّ الوزراء شدّدوا على "وجوب تطبيق القوانين على جميع المواطنين من دون استثناء، ما يحمّل الأجهزة الأمنية مسؤولية كبرى في التنفيذ العادل"، مؤكداً أنّ "اللبنانيين سواسية أمام القانون، والدولة لا تميّز بين مواطن وآخر ولا بين مجموعة وأخرى".

وأضاف أنّ "ما جرى بالأمس من مخالفة صريحة لمضمون الترخيص المعطى للتجمّع في منطقة الروشة يستوجب اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة للحفاظ على هيبة الدولة واحترام قراراتها". وأردف أنّ الحكومة  "حريصة على استقرار البلاد ووحدة أبنائها، وقطع دابر الفتنة ووقف حملات الكراهية التي تسيء إلى العيش الوطني المشترك".

وفي موازاة ذلك، أوضح بيان صادر عن رئاسة الحكومة أنّ الترخيص الذي مُنح للتجمّع تضمّن شروطاً واضحة تمنع أي عملية إضاءة أو إسقاط صور على الصخرة، سواء من البر أو البحر أو الجو، معتبراً ما حدث "خرقاً صريحاً لشروط الترخيص واعتداءً على هيبة الدولة".

اختبار لهيبة الدولة

شكّل هذا التطور امتحانا مباشرا لقدرة الحكومة على فرض سلطتها وتفعيل مؤسساتها في وجه أي تجاوز حزبي. فالمشهد، وفق مصادر سياسية مطّلعة تحدثت إلى "المشهد"، يتجاوز إطار المخالفة الإدارية ليعكس مواجهة صريحة بين منطق الدولة ومنطق القوة، وبين القانون والرمز الحزبي، وبين قرار رسمي واضح ومحاولة فرض واقع ميداني عبر أدوات الضغط السياسي.

وأكدت المصادر لـ"المشهد" أنّ رئيس الحكومة نواف سلام "لن يتراجع عن قراره ولن يستقيل، بل سيواصل متابعة الملف حتى نهايته"، مشددا على "أهمية تحديد المسؤوليات داخل الحكومة والأجهزة الأمنية، ضماناً لهيبة الدولة وتطبيق القانون على الجميع من دون استثناء".

في المقابل، توسعت موجة التضامن السياسي مع رئيس الحكومة، إذ عبّر عدد من الوزراء والنواب من مختلف الكتل عن دعمهم لموقفه، معتبرين أن الدفاع عن المعالم الوطنية هو دفاع عن سيادة الدولة نفسها، وأن أي تهاون في الرد سيشكّل سابقة خطيرة تشجع على تجاوز القرارات الحكومية مستقبلاً.

بدوره، أصدر وزير الدفاع بيانا أكد فيه أن الجيش "سيحافظ على السيادة المدنية والسلام الأهلي"، محذراً من أي محاولة لزعزعة الأمن الداخلي أو استغلال الرموز الوطنية لإثارة التوتر، مشددا على أن المؤسسة العسكرية "ستبقى الضامن الأول لتطبيق القانون وصون الاستقرار الوطني".

"خرق للقانون وضرب لهيبة الدولة"

في تعليقٍ على حادثة إضاءة صخرة الروشة اعتبر الخبير الدستوري الأستاذ سعيد مالك في حديث لـ"المشهد" أنّ ما جرى يُشكّل مخالفة جسيمة للقوانين اللبنانية واعتداءً على أحد الرموز الوطنية التي يُفترض أن تبقى خارج أي توظيف سياسي أو حزبي.

وأوضح مالك أنّ ما حصل يندرج تحت شقّين: الأول يتعلّق بالتجمّع الذي حصل حول الصخرة، والثاني بنشر الصور عليها، وهما مسألتان تختلفان في الشكل لكنهما تتّحدان في المضمون المخالف للقانون".

وتابع أن "الدستور اللبناني، وخصوصا المادة 13، يكرّس حرية الرأي والمعتقد والتجمّع، لكن ضمن حدود القانون. وبالعودة إلى النصوص المرعية، يستند الأمر إلى المرسوم رقم 1302/2015 (15 يناير 2015) الذي ينصّ في مادته الـ4 على منع وضع الإعلانات على المعالم السياحية والأثرية. وبما أنّ صخرة الروشة تُعدّ من أبرز هذه المعالم، ولها رمزية وطنية موثّقة حتى على العملة اللبنانية، فإنّ أي نشر أو عرض بصري عليها يُعدّ مخالفة صريحة لهذا المرسوم".

وانطلاقاً من ذلك، يشير مالك إلى أنّ تحرّك رئيس الحكومة باتجاه توجيه مذكرة تمنع استخدام هذا المعلم لأي غايات سياسية أو إعلانية كان في مكانه القانوني السليم، لحماية المعالم الوطنية من التسييس ومنع أي جهة من استثمارها في الصراع الداخلي.

وتابع موضحاً أنّ ما أعقب الحادثة من اجتماع حكومي تشاوري في السراي جاء استجابة طبيعية لتداعيات ما حصل، وهو اجتماع يختلف عن مجلس الوزراء من حيث الصفة الدستورية، إذ لا يحمل طابع القرار التنفيذي، بل يأتي للتشاور ومتابعة التقصير الذي حصل.

ويرى مالك أنّ المحاسبة يجب أن تشمل طرفين:

  1. الجمعية التي نظّمت النشاط وخالفت شروط الترخيص القانونية.
  2. الجهات الرسمية التي قصّرت في منع المخالفة أو تغاضت عنها، ما يعني أنّها خالفت بدورها توجيهات رئيس الحكومة.

ويشدّد على أنّ القانون يتيح الملاحقة القضائية والتحقيق والإقالة عند ثبوت التقصير أو التواطؤ، مؤكداً أنّ "ما حصل يُعتبر خرقاً فاضحاً لقرار الحكومة، وضرباً لهيبة الدولة، ويستوجب تحقيقاً ومحاسبة فعلية لأنّ الدولة لا يمكن أن تقوم إلا على هذا الأساس".

ويختم الخبير الدستوري حديثه لـ"المشهد" بالقول إنّ "ما جرى في صخرة الروشة ليس مجرد تجاوز إداري أو تنظيمي، بل تحدٍّ مباشر لسلطة الدولة ولرمز وطني جامع. المعالجة لا تكون بالتصريحات، بل بإجراءات قانونية واضحة تحفظ هيبة المؤسسات وتحمي المعالم الوطنية من التوظيف السياسي".

(المشهد - بيروت)