ما إن أُطلق سراح جيفري إبستين، الملياردير الأميركي المدان باعتداءات جنسية واستغلال الأطفال، من السجن عام 2009، حتى اقترح عليه صديقٌ هديةً قد تُسعده: "عارضة أزياء طولها 180 سم تتمتع بجسمٍ رائع".
وكتب الصديق في رسالة إلكترونية لإبستين، الذي كان لا يزال رهن الإقامة الجبرية: "انبهرتُ بها في أول لقاءٍ لي بها، وتمنيتُ لو أُعرّيها فورًا. أريدك حقًا أن تتعرف عليها، وهي الآن تُبدي رغبتها في مقابلتك، لذا سيكون من المؤسف ألا تراها قبل مغادرتها البلاد".
وجاءت الرسالة من رمزي الخولي، وكيل عارضات أزياء في مدينة نيويورك آنذاك، وكان يُعدّ لرسالة الدكتوراه في الأنثروبولوجيا الاجتماعية بعد أن عاش بين قبيلةٍ إندونيسيةٍ نائية.
رسائل صادمة
وكشفت ملفات إبستين الضخمة التي نشرتها وزارة العدل الأميركية عن علاقات الممول الوثيقة بشركاء ذوي نفوذ ومكانة رفيعة، مما أدى إلى استقالات متتالية وفضائح علنية.
لكن مراجعة أجرتها صحيفة واشنطن بوست للملفات كشفت أيضاً كيف بنى إبستين شبكة من الشركاء الأقل شهرة - بمن فيهم الخولي وآخرون من عالم عروض الأزياء - الذين عرضوا عليه جلب نساء إلى دائرته في السنوات التي تلت إطلاق سراحه من السجن.
وكانت الرسائل الإلكترونية في كثير من الأحيان فظة وذات إيحاءات جنسية، حتى وإن لم يُذكر الغرض من التعارف صراحةً.
فعلى سبيل المثال، راسل أحد كشافي المواهب السويديين إبستين بشأن جهوده للعثور على فتيات مراهقات.
وأخبرت عارضة أزياء روسية إبستين عبر البريد الإلكتروني أن امرأة أخرى ستكون "سهلة المنال" إذا أخبرها أن لديها هي الأخرى إمكانات لتصبح عارضة أزياء.
وأرسل آخرون رسائل إلى إبستين يصفون فيها عارضات أزياء يمكنه مقابلتهن، ووعدوا بإرسال صور لهن.
وتُقدّم محادثات الخولي مع إبستين، كما وردت في أكثر من 100 رسالة بريد إلكتروني على مدى عقد من الزمن بدءًا من عام 2009، والتي تناولها الخولي في مقابلة استمرت ساعة مع صحيفة "ذا بوست"، رؤىً حول الأسباب التي دفعته وآخرين إلى تعريف الشابات بالممول مرارًا وتكرارًا.
مصالح مشتركة
وقد صرّح الخولي لصحيفة "ذا بوست" بأنه حاول استغلال علاقات إبستين في عالم الموضة.
وقال: "كان الجميع يرغب في التواجد مع إبستين.. إنه ببساطة نوع من المواقف التي يسعى فيها الجميع لتحقيق مكاسب شخصية".
وأوضح الخولي، وهو اليوم موسيقي يعيش في كاليفورنيا، أن لديه وللعارضات اللاتي يمثلهن حافزًا ماليًا للقاء إبستين: فقد كان يعتقد أن بإمكان الممول استغلال علاقاته لمساعدتهن في الحصول على عمل، يتقاضى الخولي من خلاله عمولة قدرها 10%.
وأضاف الخولي: "إذا حصلت عارضة على عقد مع فيكتوريا سيكريت مثلا، فلن يقتصر الأمر على حصولي على 10% فقط، والتي قد تكون نسبة كبيرة جدًا بالمناسبة، بل إن حصولها على عقد مع فيكتوريا سيكريت يعني أن مسيرتها المهنية قد تحققت."
نفوذ واسع
وكان إبستين يدير الشؤون المالية للمدير التنفيذي لشركة فيكتوريا سيكريت، ليس ويكسنر، منذ فترة طويلة، وكان على علاقة اجتماعية مع عارضة الأزياء الشهيرة نعومي كامبل، وأصبح مقربًا جدًا من المصممة فيرا وانغ لدرجة أن وكيلها الإعلامي كتب في عام 2010 أنه "بمثابة فرد من العائلة".
وأخبر الخولي صحيفة "ذا بوست" أنه عرّف 5 أو 6 عارضات أزياء على إبستين، وأنه كان يرافقهن دائمًا خلال زياراتهن لقصر الممول في مانهاتن.
وقد اطلعت الصحيفة على رسائل بريد إلكتروني تُظهر مناقشة الرجلين للقاءات محتملة مع ما لا يقل عن 24 امرأة، من بينهن فتاة لم تتجاوز الـ18 من عمرها، لكنها لم تتمكن من تحديد عدد اللقاءات التي جرت بالفعل من خلال هذه الملفات. وقد أرفق الخولي في بعض الرسائل صورًا للنساء.
وعندما طُلب منه تقديم تفاصيل من تلك الرسائل الإلكترونية، ردّ الخولي قائلاً: "إنّ رسالة إلكترونية تتحدث عن اجتماع لم يجر". وأضاف أن العديد من تلك الاجتماعات لم تحدث أصلاً.
وأكد الخولي أنه "متأكد تماماً" من أنه لم يرتكب أي مخالفة قانونية، وأن إبستين لم يدفع له أي مبلغ. وأعرب عن "خجله" مما كتبه، موضحاً أن رسائله الإلكترونية الفظة كانت تهدف فقط إلى إثارة إعجاب إبستين أو استمالته.
وقال الخولي، الذي أثار ظهوره في ملفات إبستين تغطية إعلامية واسعة في "ديجيتال ميوزيك نيوز" و"بي بي سي" وتدقيقاً على مواقع التواصل الاجتماعي: "السبب وراء سوء حظي في كل هذا هو استخدامي للغة بذيئة. لقد كنتُ أحمقاً، في الحقيقة، لأن كل تلك اللغة لم تكن مبنية على أي شيء حدث".
وأضاف: "كما تعلمون، كان لهذا الرجل آلاف الضحايا، ولا توجد أي صلة بيني وبين أي منهم".
شهادات عارضات
وأفادت عارضة أزياء بولندية لصحيفة وول ستريت جورنال عام 2023 أن الخولي عرّفها على إبستين، وأن إبستين استغلها جنسيًا خلال الأشهر الـ8 التي قضياها معًا. لم تتمكن صحيفة واشنطن بوست من تحديد هوية العارضة، التي لم يُذكر اسمها في التقرير، أو تأكيد تفاصيل روايتها. وقال الخولي إنه غير متأكد من هوية العارضة.
وعند سؤاله عن ادعائها، قال الخولي إنه لا ينبغي لومه إذا اختارت الدخول في "علاقة" مع إبستين.
وقال الخولي: "لم يسبق لأي من العارضات اللاتي عرّفتهنّ عليه أن أبلغتني بوجود أي مشكلة".
وأضاف الخولي أن رسائل البريد الإلكتروني الصريحة التي كتبها إلى إبستين تُعطي صورةً مُشوّهة للواقع: فقد كانت العارضات أحيانًا تُلحّ عليه للقاء إبستين، على حد قوله. وأكد أن العارضات اللاتي عرّفهنّ على إبستين كنّ بالغات.
وفي إحدى رسائل البريد الإلكتروني التي أرسلها إلى إبستين عام 2009، وصف الخولي "شقراء فائقة الجمال" واقترح عليهما "ترتيب جلسة تصوير"، مُضيفًا تحذيرًا: "أعلم أن 23 عامًا سنٌّ مُتقدّم بالنسبة لك". وكان إبستين في منتصف الخمسينيات من عمره آنذاك.
وعندما سُئل الخولي عن سبب وضعه كلمة "اختيار العارضات" بين علامتي اقتباس، قال إن لقاءاته مع إبستين كانت غالباً محرجة، لأنه كان يجلس لمدة نصف ساعة تقريباً مع أصدقائه، يتجاذبون أطراف الحديث، ثم يلتفت إلى العارضة ويقول: "ماذا يمكنني أن أقدم لكِ؟".
وأضاف الخولي: "في بعض الأحيان كنت أشتكي له بهدوء، قائلاً: "انظر، لا بد أن هذا الأمر حقيقي".
تداعيات القضية مستمرة
الشخص الوحيد الذي وُجهت إليه تهمة الاتجار بالفتيات لإبستين هي غيزلين ماكسويل، 64 عاماً، وهي سيدة مجتمع وشريكة حياته السابقة، والتي أُدينت بتهمة الاتجار الجنسي بالأطفال عام 2021 وحُكم عليها بالسجن 20 عاماً.
وفي مارس، وقّعت عشرات من عارضات الأزياء رسائل إلى النائبين رو خانا (ديمقراطي من كاليفورنيا) وتوماس ماسي (جمهوري من كنتاكي)، اللذين رعيا قانون شفافية ملفات إبستين، والمدعية العامة لولاية نيويورك ليتيتيا جيمس، للمطالبة بالتحقيق في كيفية عمل صناعتهن كقناة تجنيد لإبستين.
(ترجمات)