شهدت الجزائر في السنوات الأخيرة مطالب عديدة تدعو إلى ضرورة تدشين عهد جديد لتحقيق الانتقال اللغوي في الجزائر، بزحزحة الفرنسية -ولو تدريجيا- لصالح الإنجليزية في كل الأطوار التعليمية، بصفتها لغة أجنبية وليست لغة تدريس بديلة من العربية. وهذا ما يتكرر في كل مرة وسط دوائر الإعلام والنخب ونقابات التعليم وجمعيات أولياء التلاميذ.
وكانت وزارة التعليم العالي الجزائرية قد أعلنت عام 2019 عن التوجه لتكثيف تعليم الإنجليزية، في إطار التحضير مرحليا لاستبدالها بالفرنسية في الدراسات العليا والتخصصات الدقيقة التي يتم تدريسها حاليا باللغة الأجنبية.
ولقيت إرادة وزارة التعليم العالي تأييدا وسط الأسرة الجامعية، في انتظار أن تجد طريقها للتنفيذ النهائي، مثلما يؤكد مسؤولو القطاع.
وأظهرت نتائج استفتاء إلكتروني، أطلقته العام الماضي وزارة التعليم العالي، حول استبدال لغة التدريس والمناهج من اللغة الفرنسية إلى اللغة الإنجليزية، عن رغبة 80% من طلبة الجامعة، اعتماد اللغة الإنجليزية بدل الفرنسية، كما أطلقت الحكومة قناة تلفزيونية تعليمية جديدة تحت مسمى" المعرفة "، ركزت من خلالها على اللغة الإنجليزية في التفاعل مع الجمهور، وأخذت مساحة واسعة من برامجها الإعلامية الموجهة للطلبة والناشئة.
قرار تاريخي
بدأت معالم هذا الانتقال اللغوي تبرز بشكل كبير، بعد أن قرّر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون العام الماضي، إدراج اللغة الإنجليزية، انطلاقا من السنة الثالثة ابتدائي، الذي قال إنه "خضع لدراسة عميقة من قبل خبراء ومتخصصين"، في خطوة تاريخية جاءت بالتزامن مع احتفال الجزائر بالذكرى 60 للاستقلال.
ويرى عبد الله معصوم أستاذ اللغات بجامعة الجزائر 02 في تصريح لمنصة "المشهد"، أنّ إدراج هذه اللغة يشكل فرصة مهمة جدا لتحقيق هذا الانتقال اللغوي، خصوصا بوجود تجانس بين الإرادة الشعبية والسياسية لتطبيق هذا المشروع، مشيرا إلى أنّ الإنجليزية لغة العلوم والتكنولوجيا والبحث العلمي، ولغة التواصل في كل دول العالم.
ويضيف معصوم: "تدريس الإنجليزية خطوة مهمة، والأمر لا علاقة له بمحاربة لغة أخرى، وإنما يتعلق بتمكين الأجيال القادمة من التكنولوجيا والبحث العلمي، هذا القرار أثار جنون الكثير من الذين حاربوا التعريب في الجزائر بكل الطرق، من أجل الحفاظ على مكانة اللغة الفرنسية".
ويتابع المتخصص في اللغات، أنّ الانجليزية واصلت امتدادها في مجال البحث العلمي، خصوصا في مجال النشر العلمي، فقد تحوَّل الكثير من الباحثين إلى النشر باللغة الانجليزية، لما تتيحه هذه اللغة من انتشار واسع في العالم، ولم يعُد الأمر منحصرا في ميادين العلوم والتكنولوجيا، إنما انتقل كذلك إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية، إذ تشجع الكثير من المجلات العلمية النّشر بالإنجليزية، فضلا على اعتماد أغلب الباحثين الذين ينشرون أبحاثهم باللغة العربية على الانجليزية، لنشر ملخّصات بحوثهم.
وتسجل المدارس الجزائرية أكثر من 10 ملايين تلميذ، من بينهم قرابة 6 ملايين منتسب إلى المرحلة الابتدائية التي تمتد من السنة الأولى إلى الخامسة، كانوا يدرسون سابقا الفرنسية كلغة أجنبية وحيدة بداية من العام الدراسي الثالث، قبل الاستفادة من التكوين في الإنجليزية لغة ثانية في الطور الثاني (الإعدادي).
تفاعل شبابي
من جانبه يرى با أحمد حاج إبراهيم صاحب مبادرة "فلونسي تالك" في تصريح للمشهد، "أنّ الإنجليزية تمتلك أرضية مهمة عند فئة الشباب الجزائري اليوم، في ظل إقبال كبير من طرف الشباب على تعلم اللغات الحية وخصوصا الإنجليزية، بحثا عن النجاح في مختلف المجالات وتحقيق طموحاتهم المهنية، على اعتبار أنّ أغلب الشركات والمؤسسات الاقتصادية وطنية كانت أو أجنبية، تشترط في عملية التوظيف على المترشح التحكم في اللغات وبالتحديد الإنجليزية".
وعن منهجيته في المحادثة بالإنجليزية يقول با أحمد: "إنه يوظفها بشكل كبير في محادثاته عبر منصات التواصل الاجتماعي حتى يتعوّد متابعوه على استعمالها في مختلف الحالات، وبالتالي اكتساب مهارات النطق والمحادثة بسرعة. ويستعمل حاج ابراهيم لأجل إيصال الرسالة التعليمية للمتابعيين، أدوات عدة، منها خاصة الصور وغرافيكس، بالإضافة إلى الفيديوهات التعليمية عبر منصات التواصل الاجتماعي. ويرى أنّ أستاذ اللغة الإنجليزية الناجح، هو الذي يكون أولا صديقا للطالب، حتى يكسر حاجز الخجل بين الطرفين ويجعله مرتاحا ويعطيه قوة وشجاعة في تعلمها، ومقداما على اكتساب مهاراتها، إضافة إلى استعمال أسلوب التبسيط حتى يسهل على الطالب التعلم.
وأوضح صاحب مبادرة فلونسي تالك التي تعنى بتقديم النماذج الشبابية التي تتقن اللغة الإنجليزية، أنّ تعزيز هذه اللغة ليس معناه التقوقع على لغة واحدة، ولكن أن تكون لغة ذات مكانة لائقة إلى جانب اللغة العربية في البحث العلمي، قائلا: “مساحة الجزائر الشاسعة تتطلب تنمية متعددة الجوانب، وأنّ اللغة الإنجليزية ضرورية هنا، وهي لغة التواصل في قطاع الأعمال والمحروقات، وفي الاستثمار والتنمية البشرية ”.
التخصصات التقنية...استثناء !!
من جانب آخر يعتقد الدكتور إسماعيل إبراهيمي، أنّ إنجاح المشروع مرتبط باعتماد منظومة تعلم اللغات الأجنبية ضمن برنامج متكامل، فالحديث عن إسقاط الفرنسية خصوصا في التخصصات العلمية الدقيقة مثل الطب، صعب في الوقت الراهن، في ظل التكوين السابق الذي نشأ فيه الأطباء والباحثون، خصوصا أنّ مختلف المصطلحات التقنية في المجال الطبي كلها بالفرنسية، ويتم تداولها بشكل واسع في الأوساط التعليمية، ما عدا بعض المؤسسات التي باتت تشرف عليها فئة المتخرجين الجدد من الجامعات، الذين يحسنون اللغات الأجنبية بعيدا من الفرنسية، ما يجعل اعتماد اللغة الإنجليزية بشكل استعجالي في بعض التخصصات التقنية، يستهدف المستقبل ولو بعد حين.
وعن الحلول الممكنة يقول إبراهيمي في تصريح لمنصة "لمشهد، "إنّ إدراج تخصص أستاذ اللغة الانجليزية في الابتدائي ضمن التخصصات المتاحة للطلبة الناجحين في بكالوريا السنوات القادمة، سيساهم بشكل كبير في تعزيز أرضية لانتشار اللغة الإنجليزية في التخصصات التقنية، وهذا من خلال تكامل إمكانات التأطير والهياكل البيداغوجية المتوافرة في المدارس العليا للأساتذة المعنية بفتح هذا التخصص".
كما أشار إسماعيل الى أنّ الفصل في موضوع السياسة اللغوية في البلاد، يتطلب سلسلة من النقاش العميق الذي وجب أن يُفتح في الفضاء العمومي، بين المختصين وذوي الرأي والخبرة وصنّاع القرار، وأن يُفضي إلى استراتيجية مدروسة على أكثر من مدى، تفاديا للعشوائية والارتجال، وصونا للمشهد الأكاديمي والتعليمي الوطني من التشظي.
(المشهد)