لطالما اعتُبرت الأراضي الأميركية ملاذا آمنا لمن يجهرون بمعارضة الكرملين، سواء كان ذلك في عهد الراية الحمراء للاتحاد السوفيتي أو في ظل علم الاتحاد الروسي ثلاثي الألوان في عهد فلاديمير بوتين.
بحسب صحيفة "غارديان"، قد يفلت عملاء الكرملين من العقاب عند استخدام مظلات ذات رؤوس مسمومة لاستهداف أشخاص يعبرون جسر "واترلو" في لندن، كما حدث للمعارض البلغاري جورجي ماركوف عام 1978، لكن الإقدام على عمليات اغتيال "درامية" ومثيرة كهذه فوق جسر بروكلين، أو في أي مكان آخر داخل الأراضي الأميركية، يمثل أمراً مختلفاً تماماً.
هذه القاعدة هي جزء مما يُعرف بـ "قواعد موسكو"، وهي المبادئ التوجيهية الشهيرة لعمليات الجواسيس الغربيين والروس، فقد كان هناك بالتأكيد ملحقٌ لها، أو ما يشبه "اتفاق شرف" يقضي بألا يقتل أي من الطرفين خصمه على أراضي الطرف الآخر.
تغير القواعد
كان هذا هو الاعتقاد السائد لدى العديد من المعارضين الآخرين أثناء استعدادهم للمشاركة في مؤتمر "حوار واشنطن" حول الشؤون الروسية، والذي عُقد في مكاتب "الصندوق الوطني للديمقراطية" الكائنة في مبنى شاهق الارتفاع، على مسافة قريبة سيراً على الأقدام من البيت الأبيض.
لكن هذا الأسبوع، طرأ تغيير جذري على المشهد. قال الصحفي الروسي المعارض رومان دوبروخوتوف: "يبدو أن القواعد في أميركا قد تغيرت بدءاً من اليوم. سيتعين علينا تغيير أسلوب تصرفنا هناك؛ فلم يعد هناك مكان آمن".
كان الحدث الأبرز الذي طغى على مؤتمر واشنطن هو الإعلان الصادر عن وزارة العدل الأميركية بشأن الكشف عن لوائح اتهام غيابية ضد 5 أفراد يُزعم أنهم يعملون لصالح أجهزة الاستخبارات الروسية، حيث اتُهموا بالتآمر "لتنفيذ هجمات وعمليات قتل في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة".
وكان الادعاء الأكثر لفتا للانتباه يتعلق بمؤامرة جريئة لتجنيد مقيمين في الولايات المتحدة بهدف "تصفية" معارض روسي بارز يقيم في العاصمة الأميركية.
لقد أُبرزت الطبيعة غير المسبوقة للمؤامرة التي حيكت على الأراضي الأميركية بشكل غير مقصود في نص لائحة الاتهام نفسها، التي أدرجت سلسلة من عمليات الاغتيال التي نفذتها أجهزة الاستخبارات الروسية.
ومن بين تلك الحالات مقتل الصحفي والمؤرخ الأميركي بول كليبنيكوف في موسكو عام 2004، ثم مقتل ألكسندر ليتفينينكو،وهو ضابط سابق في جهاز الأمن الفيدرالي بعد ذلك بعامين.
تجاوز الخط الأحمر
لماذا قد يتجاوز الروس هذا الخط الأحمر؟ يرى جاك ديفاين، المدير المساعد السابق للعمليات في وكالة الاستخبارات المركزية، أن الكرملين ربما أصبح غير مبالٍ بالعواقب المحتملة، لكن هذه الخطوة قد تكون زلة أو خطأً في التقدير.
وقال ديفاين: "لم يعد الروس اليوم يلقون بالاً كبيراً للانتقادات السياسية الدولية، كما أنهم أقل اكتراثاً بالتبعات، بما في ذلك العقوبات. يرى بوتين نفسه -سواء داخل روسيا أو على الساحة العالمية- زعيماً قوياً من الطراز القديم، وهو نمط كثيراً ما أشار إليه بحنين في مقابلاته وتصريحاته العلنية. أعتقد أن هذا التصور خاطئ، وربما يقلل من شأن التداعيات الداخلية والخارجية طويلة الأمد لهذه العزلة".
كما أشار دبلوماسيون أوروبيون في واشنطن، إلى أن كشف مكتب التحقيقات الفيدرالي عن هذه المؤامرة يشير إلى تحول في موقف واشنطن.
وقال أحدهم: "إن قرار الولايات المتحدة بالكشف عن هذا الأمر في الوقت الراهن يُعد خطوة بالغة الأهمية". "إن قرار الإقدام على هذه الخطوة يسلط الضوء على القضية ويكشف عن التهديد الواضح والمحدق الذي يواجه المعارضين في الولايات المتحدة".
(ترجمات)
