تداولت مواقع إعلامية عراقية، أخباراً عن رغبة فعلية لدى الحكومة العراقية بوقف التصعيد العسكري بين الفصائل العراقية المسلحة والولايات المتحدة الأميركية على الأراضي العراقية، وتكليف أمين عام منظمة "بدر" هادي العامري ببدء مفاوضات لإجراء هدنة مؤقتة بين الجانبين، حيث سيركز العامري خلال مفاوضاته على "كتائب حزب الله" و "حركة النجباء".
وخلال الأسبوعين الماضيين رفعت واشنطن حدة الضربات العسكرية التي توجّهها لمقرات الفصائل العراقية المسلحة ومواقع "الحشد الشعبي" في الأنبار ونينوى وصلاح الدين وديالى، في إطار الحرب الأميركية الإيرانية المستمرة منذ 28 فبراير الماضي، خصوصا بعد أعلنت هذه الفصائل دعمها لطهران، وتبنّت استهداف المنشآت الأميركية في العراق، ثم قامت مؤخراً باختطاف الصحفية الأميركية شيلي كيتلسون، في وضح النهار من حي السعدون وسط بغداد، واستخدامها كورقة ضغط لتخيف حدة الاستهدافات الأميركية.
السفارة الأميركية لن تغضّ الطرف!
وجاء الإعلان عن بدء المفاوضات لإعلان الهدنة، بعد بيان شديد اللهجة نشرته السفارة الأميركية في بغداد، أوضحت خلاله انتهاء حقبة ماوصفته بـ"غض الطرف" عن أعمال الفصائل العراقية المسلحة، واصفةً الحكومة العراقية بـ"العاجزة" عن ضبط ميليشيا مسلحة عابرة للحدود. ما فسرّه مراقبون بأنه مرحلة اللاعودة إلى الدبلوماسية بين واشنطن وبغداد.
ورغم أن الخارجية العراقية ردت على بيان السفارة الأميركية، بأن بغداد ليست طرفاً في النزاع الدائر، وأن الحكومة تبذل أقصى جهودها لمنع التصعيد، فإن الفصائل المسلحة لم تتوقف عن استهداف المنشآت الأميركية في العراق وإقليم كردستان، ما دفع الحكومة العراقية للضغط عليها من خلال المفاوضات، في سياق سعي القوى الدولية لوقف الحرب، وإعلان الهدنة مقابل إعادة إيران للحركة التجارية الدولية عبر مضيق هرمز.
هل تنجح مهمة العامري؟
وصرّح مصدر سياسي فضّل عدم ذكر اسمه لمنصة "المشهد"، أن الإطار التنسيقي اختار شخصية هادي العامري للتفاوض مع "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء"، لأنه جزء منها وقادر على التأثير عليها، بعد أن فشل رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني بذلك.
وأضاف المصدر: "هادي العامري هو زعيم منظمة بدر أكبر الفصائل الشيعية المسلحة التي تحوّلت إلى حزب سياسي، يمكنه فرض رأيه بالضغط على هذه الميليشات لبدء الهدنة".
ويلقّب العامري بـ"جنرال إيران في العراق" لعلاقته الوثيقة بالحرس الثوري الإيراني، يرأس منظمة "بدر" التي تأسست في إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988)، وشاركت في المعارك ضد تنظيم "داعش" (2014 – 2017)، وهو يجمع بين كونه زعيما سياسيا وقائد ميليشا وعضوا في البرلمان العراقي، بحسب المصدر.
ويقول المحلل السياسي مكرم القيسي، لمنصة "المشهد"، إن الحكومة العراقية فشلت في تحقيق الهدنة، ما دفع رئيس الحكومة محمد شياع السوداني لإقناع العامري بضرورة الهدنة وتكيفه بهذه المهمة، لأن الأخير لديه علاقات شخصية وثيقة مع قادة الفصائل العراقية المسلحة وعلاقات وثيقة مع طهران، ما سيجعل مهمته أسهل من السوداني الذي أصبح تحت الضغط الأميركي خصوصا بعد البيان الأخير للسفارة العراقية في بغداد.
وحول إمكانية استجابة الفصائل لطلبات العامري، يجيب القيسي: العامري هو أقدم شخصية تمثّل الفصائل المسلحة، اختياره لم يكن عبثاً، لأن لديه علاقات شخصية مع قائد "حركة النجباء" أحمد الكعبي وزعيم "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي وغيرهما، بالتالي ستستجيب الفصائل المسلحة وتقبل بالهدنة، خصوصا أنها تتلقى الضربات الأميركية المكثفة على مواقعها.
ويرى القيسي، أن العامري أقوى من رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي من حيث تأثيره على الفصائل العراقية المسلحة، لأن المالكي بعيد عن دوائر قادة الفصائل، ولا يمتلك ميليشيات مسلحة على الأرض، على عكس العامري الذي يقود منظمة بدر التي تعتبر جزءا من المحور الإيراني في المنطقة، وسنشهد نجاحه في مهمته وإعلان التهدئة والهدنة خلال الساعات القادمة.
وفي المقابل، لن تكون هذه الهدنة دائمة إنما مؤقتة، لأن الفصائل العراقية المسلحة لن تتنازل عن وجودها في العراق سواء وجودها السياسي أو الاقتصادي، وستعود لممارسة عملها داخل الحكومة العراقية، وسيكون استسلامها مرتبطاً باستسلام إيران وانتهاء الحرب في المنطقة، ما يحتاج مزيداً من الوقت والجهود الدولية. بحسب القيسي.
كيف تستخدم إيران الفصائل العراقية المسلحة؟
وكان المعاون العسكري لحركة "النجباء"، عبد القادر الكربلائي توعّد أمس الأحد 5 إبريل، باستهداف المصالح والقواعد ومحطات الطاقة التابعة للولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، مضيفاً: "جميع هذه المنشآت ستكون هدفاً مشروعاً للمقاومة" نافياً وجود أي خطوط حمراء في هذه المواجهة. ما جعل موقف الحكومة العراقية أكثر حرجاً أمام واشنطن التي تستمرّ دفاعاتها الجوية بصدّ هجمات الفصائل.
ويقول المختص في الشأن الإيراني وقضايا الشرق الأوسط وجدان عبد الرحمن، لمنصة "المشهد"، إن احتمالات التصعيد ستظل قامة حتى بعد إعلان الهدنة، لأن الفصائل العراقية المسلحة تعتبر جزءاً من ساحات الصراع التي تديرها طهران، وعليه فهي ليست مخيّرة بالكامل في هذا الجانب، بل تتحرك وفقا لتوجيهات إستراتيجية مرتبطة بمصالح النظام الإيراني.
وأضاف: "لكن هذه الفصائل تُدرك أن معركتها شارفت على الانتهاء، والدليل على ذلك اختطافها صحفية أميركية الأسبوع الماضي من بغداد، واستخدامها كرهينة للضغط السياسي على واشنطن لتوقف هجماتها على مقراتهم واستهداف قادتهم، إذاً بدأوا يشعرون بالخطر ما دفعهم للبحث عن أدوات ردع غير تقليدية سواء بالمفاوضات لإعلان الهدنة أو بخطف صحفية في وضح النهار".
وشهد معبر الشلامجة الحدودي بين العراق وإيران ليلة أمس، استهدافاً جوياً بالطائرات الأميركية، ما أدى إلى مقتل عراقي واحد وإصابة 5 آخرين وإغلاق المعبر مباشرة. فيما تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لمجموعات تابعة "للحشد" الشعبي تتحرك عبر المنفذ باتجاه الأراضي الإيرانية.
يقول عبد الرحمن إن وجود بعض هذه العناصر في الأراضي الإيرانية بما في ذلك إقليم الأهواز ليس أمراً جديداً، بل يأتي ضمن إطار التنسيق الأمني والعسكري المستمر، وتُعد هذه المجموعات جزءاً من منظومة النفوذ الإيراني، حيث يعتمد عليها كخط دفاع متقدم في مواجهة خصومه.
كما يُرجّح، بحسب عبد الرحمن، أن يركز النظام الإيراني على توظيف هذه الفصائل في قمع أي احتجاجات داخلية محتملة، أكثر من استخدامها في مواجهة مباشرة في حال انتقل إلى مرحلة التدخل العسكري البري، خصوصا في ظل تجربتها السابقة في التعامل مع الاضطرابات الداخلية.
ويختم عبد الرحمن حديثه بالقول: "الفصائل العراقية المسلحة ترى أن مصيرها مرتبط بمصير النظام الإيراني، ما يدفعها إلى الانخراط بقوة في أي مواجهة تهدده، انطلاقًا من قناعتها بأن سقوط هذا النظام سيؤدي إلى نهايتها، لذلك من المتوقع أن تستمر في التصعيد حتى وإن أدى ذلك إلى جرّ العراق إلى مزيد من التوترات".
(المشهد)